فقد روي عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء الغزل» وكان صلى الله عليه وسلم يخيط ثوبه ويخصف نعله ويحلب شاته، ويعلف ناضحه.
وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان الحكيم خياطا، وقيل: كان إدريس عليه السلام خياطا، ووقف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على خياط، فقال له: يا خياط ثكلتك الثواكل، صلّب الخيط ودقّق الدروز، وقارب الغروز، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله الخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاط وخان فيه، واحذر السقاطات، فإن صاحب الثوب أحق بها، ولا تتخذ بها الأيادي وتطلب المكافأة» .
وقال فيلسوف: إن من القبيح أن يتولى امتحان الصناع من ليس بصانع. وفي الحديث: «أكذب أمتي الصواغون الصباغون وكذب الدلّال مثل» .
وقالوا: لكل أحد رأس مال ورأس مال الدلال الكذب.
وقال عبد الرحمن بن شبل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التجار هم الفجّار، فقيل: أليس الله تعالى قد أحل البيع: قال: نعم. ولكن يحدثون فيكذبون، ويحلفون فيحنثون» .
وقال الفضيل: بخس الموازين سواد في الوجه يوم القيامة، وإنما أهلكت القرون الأولى لأنهم أكلوا الربا وعطلوا الحدود ونقصوا الكيل والميزان.
وقال مجاهد في قوله تعالى: {وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} .
قيل هم الحاكة والأساكفة. وقيل: إن حائكا سأل إبراهيم الحربي: ما تقول فيمن صلى العيد ولم يشتر ناطفا ما الذي يجب عليه؟ فتبسم إبراهيم، ثم قال: يتصدق بدرهمين، فلما مضى قال: ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق.
وقيل لرجل: هل فيكم حائك؟ قال: لا. قيل: فمن ينسج لكم ثيابكم؟ قال: كلّ منا ينسج لنفسه في بيته.
وكان أردشير بن بابك لا يرتضي لمنادمته ذا صناعة رديئة كحائك وحجام، ولو كان يعلم الغيب مثلا. وقال كعب: لا تستشيروا الحاكة، فإن الله تعالى سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم، لأن مريم عليها السلام مرت بجماعة من الحياكين، فسألتهم عن الطريق فدلوها على غير الطريق، فقالت: نزع الله البركة من كسبكم.
وقال أبو العتاهية:
ألا إنّما التقوى هي العز والكرم ... وحبّك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا صحّح التقوى وإن حاك أو حجم
وهذا ما أردناه سياقة في هذا الباب.
والله الموفق للصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهى انتهى {المستطرف في كل فن مستظرف، للأبشيهي} ...