وفي هذه القصة إشارة إلى لون من ألوان اجتهادهما على أساس من العدل ودقة بالغة في فقه القضاء، كما دلت على تعدد طريق القضاء بالحق والتفاضل بين مراتب الاجتهاد.
(( قال جمهور الأمة: أن حكمهما كان باجتهاد ) )، ولذلك جوّز المحققون ذلك على الأنبياء، والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الغلط مؤيدون من الله عز وجل، والوحي من ورائهم تأييدا وتصويبا، فلهذا عُدّ من علوم داود وسليمان العلم بطريق الاجتهاد، وهو نوع من العلوم المكتسبة غير العلم اللدني.
وفي هذه القصة دلالة على أن الفطنة والفهم موهبة من الله لا تتوقف على كبر سن ولا صغره، وقريب من هذه الحكومة ما جاء في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( كانت امرأتان معهما ابنهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى ) ).
الفصاحة:
قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ، سبقت الإشارة إلى هذه الآية في المبحث السابق، والمعنى الآخر في {َفَصْلَ الْخِطَابِ} أن الله آتى داود عليه السلام بلاغة القول، فكان كلامه فصلاً يعبر عن المعنى بأوضح عبارة، لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف، ولا يحتاج سامعه إلى زيادة تبيان، وهذا القول هو الذي يعطيه لفظ الآية، ويدخل فيه من قال إنه علم القضاء، فكلامه عليه السلام في القضايا والخصومات والمحاورة والمخاطبة والمشورات كله من فصل الخطاب، واختار هذا القول جماعة من المحققين.
وتلكم البلاغة التي أوتيها عليه السلام كانت على اللغة العبرية، ويدخل فيها الزبور (( المسمى عند اليهود بالمزامير فهو مَثَلٌ في بلاغة القول في لغتهم ) ).
وروى ابن جرير بإسناد صحيح عن الشَّعبي أن فصل الخطاب قوله: (( أما بعد ) )، وينبغي أن يحمل ذلك على أنه قالها بلسانه بمعناها في اللغة العبرية، وذلك داخل في القول المذكور آنفاً، فمن فصل الخطاب قوله: (( أما بعد ) ).