قال ابن كثير: في تفسير قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} (الأنبياء: 30) وفصَل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض؛ ولهذا قال: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئًا فشيئًا عيانًا، وذلك دليل على وجود الصانع.
وقال القرطبي: في تفسيره لهذه الآية بعد أن ذكر قولين في تفسيرها؛ قال: وقول ثالث قاله عكرمة، وعطية، وابن زيد، وابن عباس أيضًا فيما ذكر المهدوي: أن السموات كانت رتقًا لا تمطر، والأرض كانت رتقًا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، نظيره قوله -عز وجل-: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) } (الطارق: 11 - 12) .
واختار هذا القول الطبري، لأن بعده: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} قلت: وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة؛ ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية ليدل على كمال قدرته، وعلى البعث والجزاء.
وذهب أكثر المفسرين إلى هذا القول.
فإن قيل كيف قال: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} : وقد قال: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} (الحجر: 27) ، وجاء في الأخبار أن اللَّه تعالى خلق الملائكة من النور، وقال
تعالى في حق عيسى -عليه السلام-: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} (المائدة: 110) ، وقال في حق آدم: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} (آل عمران: 59) .
والجواب: للفظ وإن كان عامًا إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهدًا محسوسًا ليكون أقرب إلى المقصود، وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة، والجن، وآدم، وقصة عيسى عليهم السلام؛ لأن الكفار لم يروا شيئًا من ذلك.