والعلماء ساعةَ يستقبلون الآية الكونية لهم فيها مذاهب اجتهادية مختلفة ؛ لأنها تتعرَّض لحقيقة الكون ، وهذا أمر قابل للخلاف ، فكلُّ واحد منهم يأخذ منه على قَدْر ثقافته وعِلْمه .
فالعربي القديم لم يكُنْ يعرف كثيراً عن الظواهر الكونية ، لا يعرف الجاذبية ، ولا يعرف كُروية الأرض ولا حركتها ، فلو أن القرآن تعرَّض لمثل هذه الأمور التي لا يتسع لها مداركه وثقافته فلربما صرفه هذا الكلام الذي لا يفهمه ، ولك أنْ تتصوَّر لو قلتَ له مثلاً: إن الأرض كرة تدور بنا بما عليها من بحار وجبال الخ .
والقرآن بالدرجة الأولى كتاب منهج"افعل كذا"و"لا تفعل كذا"لذلك كلُّ ما يتعلق بهذا المنهج جاء واضحاً لا غموض فيه ، أمَّا الأمور الكونية التي تخضع لثقافات البشر وارتقاءاتهم الحضارية فقد جاءت مُجْملةً تنتظر العقول المفكرة التي تكشف عن هذه الظواهر واحدةً بعد الأخرى ، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مجرد إشارة ، وعلى العقول المتأمّلة أنْ تُكمِلَ هذه المنظومة .
وقد كان لعلماء الإسلام موقفان في هذه المسألة ، كلاهما ينطلق من الحب لدين الله ، والغرام بكتابه ، والرغبة الصادقة في إثبات صدْق ما جاء به القرآن من آيات كونية جاء العلم الحديث ليقول بها الآن ، وقد نزل بها القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان .
الموقف الأول: وكان أصحابه مُولعين بأنْ يجدوا لكل اكتشاف جديداً شاهداً من القرآن ليقولوا: إن القرآن سبق إليه وأن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق في بلاغه عن الله .
الموقف الثاني: أما أصحاب الموقف الآخر فكانوا يتهيَّبون من هذه المسألة خشية أن يقولوا بنظرية لم تثبت بَعْد ، ويلتمسون لها شاهداً من كتاب الله ، ثم يثبُت بطلانها بعد أنْ ربطوها بالقرآن .