وإطلاق الرؤية على العلم على هذا الاحتمال ظاهر لأن الرتق والفتق بهذا المعنى محقق أمرهما عندهم قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] .
ويحتمل أن يراد بالرتق الظلمة وبالفتق النور ، فالموجودات وجدت في ظلمة ثم أفاض الله عليها النور بأن أوجد في بعض الأجسام نوراً أضاء الموجودات.
ويحتمل أن يراد بالرتق اتحاد الموجودات حين كانت مادة واحدة أو كانت أثيراً أو عَمَاء كما جاء في الحديث:"كان في عماء"فكانت جنساً عالياً متحداً ينبغي أن يطلق عليه اسم مخلوق ، وهو حينئذ كلي انحصر في فرد.
ثم خلق الله من ذلك الجنس أبْعاضاً وجعل لكل بَعض مميزات ذاتيةً فصيّر كل متميز بحقيقة جنساً فصارتْ أجناساً.
ثم خلق في الأجناس مميزات بالعوارض لحقائقها فصارت أنواعاً.
وهذا الاحتمال أسعد بطريقة الحكماء وقد اصطلحوا على تسمية هذا التمييز بالرتق والفتق ، وبعض من الصوفية وهو صاحب"مرآة العارفين"جعل الرتق عَلَماً على العنصر الأعظم يعني الجسمَ الكل ، والجسم الكل هو الفلك الأعظم المعبر عنه بالعرش.
ذكر ذلك الحكيمُ الصوفي لطف الله الأرضرومي صاحب"مَعارج النور في أسماء الله الحسنى"المتوفى في أواخر القرن الثاني عشر الذي دخل تونس عام 1185ه في مقدمات كتابه"معارج النور"وفي رسالة له سماها"رسالة الفتق والرتق".
والظاهر أن الآية تشمل جميع ما يتحقق فيه معاني الرتق والفتق إذ لا مانع من اعتبار معنى عام يجمعها جميعاً ، فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعم كل الناس وكل عبرة خاصة بأهل النظر والعلم فتكون من معجزات القرآن العلمية التي أشرنا إليها في مقدمات هذا التفسير.
{وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} زيادة استدلال بما هو أظهر لرؤية الأبصار وفيه عبرة للناس في أكثر أحواله.
وهو عبرة للمتأملين في دقائقه في تكوين الحيوان من الرطوبات.