ويجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير المتعدى لمفعولين وهما هنا {كُلٌّ وَمِنْ الماء} وتقديم المفعول الثاني للاهتمام به ومن اتصالية كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم:"ما أنا من دد ولا الدد مني"والمعنى صيرنا كل شيء حي متصلاً بالماء أي مخالطاً له غير منفك عنه ، والمراد أنه لا يحيا دونه ، وجوز أبو البقاء على الوجه الأول أن يكون الجار والمجرور في موضع الحال من {كُلٌّ} وجعل الطيبي من على هذا بيانية تجريدية فيكون قد جرد من الماء الحي مبالغة كأنه هو ، وقرأ حميد {حَياً} بالنصب على أنه صفة {كُلٌّ} أو مفعول ثان لجعل ، والظرف متعلق بما عنده لا بحيا ، والشيء مخصوص بالحيوان لأنه الموصوف بالحياة ، وجوز تعميمه للنبات.
وأنت تعلم أن من الناس من يقول: إن كل شيء من العلويات والسفليات حي حياة لائقة به وهم الذين ذخبوا إلى أن تسبيح الأشياء المفاد بقوله تعالى: {وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء: 44] قالى لا حالي ، وإذا قيل بذلك فلا بد من تخصيص الشيء أيضاً إذ لم يجعل من الماء كل شيء حيا ؛ ولم أقف على مخالف في ذلك منا ، نعم نقل عن ثالس الملطي وهو أول من تفلسف بملطية أن أصل الموجودات الماء حيث قال: الماء قابل كل صورة ومنعه أبدعت الجواهر كلها من السماء والأرض انتهى.
ويمكن تخريجه على مشرب صوفي بأن يقال إنه أراد بالماء الوجود الانبساطي المعبر عنه في اصطلاح الصوفية بالنفس الرحماني ، وحينئذ لو جعلت الإشارة في الآية إلى ذلك عندهم لم يبعد {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} إنكار لعدم إيمانهم بالله تعالى وحده مع ظهور ما يوجبه حتماً من الآيات ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الإنكار أي أيعلمون ذلك فلا يؤمنون.
{وَجَعَلْنَا فِى الأرض رَوَاسِىَ}