وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: إن كان مَرْتعُ الماشيةِ مَواتاً حولَ البلدِ، لم يجبْ على مالكِها حفظُها بالنَّهارِ، وإن كان مَرْتَعُها في تلكَ البلدِ في حَريمِ المزارعِ، ويعلمُ صاحبُ الماشيةِ أنهُ متى أرسلَها وأطلقَها دخلَتْ زرعَ غيرهِ وأفسدَتْهُ، فعليهِ حفظُ ماشيتِه نَهاراً، هذا في النَّهارِ، وأما في اللَّيلِ، فإنْ كانَ في بلدٍ ليسَ لِبَساتيِنها ومَزارِعِها حيطانٌ، فإنَّه يَجِبُ على مالِكِ الماشيةِ حفظُ ماشيتهِ، وإن كانَ لها حيطانٌ، فلا ضمانَ على صاحِبِ الماشيةِ؛ لتفريط صاحب البستان في تركِ الإغلاقِ، وقَيَّدَ حديثَ البراءِ بهذهِ الأحوالِ.
وقال بعضُ أصحابهِ: يعتبرُ عُرْفُ البَلَدِ، فلو جَرَتْ عادتُهم ألا يُرْسِلوا الغَنَمَ نَهاراً إلَّا مَعَ راعٍ يحفَظُها، وأَلاّ يحفظَ أصحابُ الزَّرْعِ زَرْعَهُمْ بالنهار، فعلى مالِكِ الغنمِ الضَّمانُ فيما أتلفتْهُ بالنهار، فَخَصَّ عمومَ الحديثِ بالعادَةِ.
وهذا الوَجْهُ بمذهَبِ مالكِ أَوْلى منهُ بمَذْهَبِ الشافعيِّ، فمذهبُ مالكٍ تخصيصُ العُمومِ بالعادةِ، دوُنَ الشافعيِّ.
وقالَ بعضُ أهلِ العلم: يضمَنُ رَبط الماشيةِ ما أتلفَتْ، إلا إذا انفلتَتْ لعدمِ قدرته عليها، ويُروى هذا القولُ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ - رضيَ اللهُ تعَالى عنه - .
وذهب الليثُ إلى أنه يضمَنُ بكُلِّ حالٍ، إلا أنه لا يضمنُ أكثرَ من قيمةِ الماشية.
وهذا مخالفٌ للحديثِ، ولقياسِ شريعتِنا.
* ولَمَّا دَلَّ حديثُ البراءِ على أن على أهلِ الماشيةِ ضمانَ ما أفسدَتْه في بعضِ الأحوالِ، وهي الحالةُ التي يجبُ عليهم فيها حفظُها، دَلَّ على أنه يجبُ على رَبِّها ضمانُ ما أفسدَتْ إذا كانَ راكبًا أَوْ سائقاً أَوْ قائِدا؛ لأن عليهِ حِفْظَها في هذه الحالِ، سواءٌ أفسدت ليلاً، أو نهاراً، بفيها، أو بيدها، أو برجلها.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن الراكب والقائد إلا ما تتلفه بفيها أو يدها، وأما ما تتلفه برجلها، فلا يضمن.
ووافق الشافعيُّ في تضمينِ الراكبِ بكلِّ حالٍ، وكأنه استدلَّ بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من:"الرِّجل جبار".
وقال الحفاظُ: هو غلطٌ، ووَهْمٌ من سُفيانَ بنِ حُسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ، والله أعلم. انتهى انتهى. {تيسير البيان لأحكام القرآن، لابن نور الدين اليمني} ...