قال الشيخ:"ولقائلٍ أن يقولَ: إن الضمير إذا كان صالحاً لأَنْ يعودَ على الأقربِ وعلى الأبعدِ كان عودُه على الأقربِ راجحاً وقد نَصَّ النحويون على هذا فَعَوْدُه على التابوتِ في قولِه {فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم} راجحٌ . والجواب: أنَّ أحدَهما إذا كان مُحَدَّثاً عنه والآخرُ فضلةً ، كان عودُه على المحدَّثِ عنه أرجحَ . ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ ؛ ولهذا رَدَدْنا على أبي محمد ابن حزم في دَعْواه: أنَّ الضميرَ في قولِه تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] عائدٌ على"خنزير"لا على"لحم"لكونه أقربَ مذكورٍ ، فَيَحْرُمُ بذلك شحمُه وغُضْرُوْفُه وعظمُه وجِلْدُه ، فإن المحدَّث عنه هو"لحمَ خنزيرٍ"لا خنزير". قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ في الأنعام وما تكلَّم الناسُ فيها .
قوله: {فَلْيُلْقِهِ اليم} هذا أمرٌ معناه الخبرُ ، ولكنه أمراً لفظاً جُزِم جوابُه في قوله: {يَأْخُذْهُ} . وإنما خَرَجَ بصيغة الأمر مبالغةً ؛ إذ الأمرُ أقطعُ الأفعالِ وآكدُها . وقال الزمخشري:"لَمَّا كانَتْ مشيئةُ اللهِ وإرادتُه أَنْ لا تُخْطِىءَ جَرْيَةُ ماءِ اليَمِّ الوصولَ به إلى الساحل ، وألقاه إليه ، سلك في ذلك سبيلَ المجاز ، وجعل اليَمَّ كأنه ذو تمييزٍ ، أمر بذلك ليطيع الأمرَ ويَمْتَثِلَ رسمَه".
و"بالساحل"يحتمل أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أن الباءَ للحالِ أي: ملتبساً بالساحل ، وأَنْ يتعلَّقَ بنفسِ الفعل على أنَّ الباءَ ظرفيةٌ بمعنى"في".
قوله: {مِّنِّي} فيه وجهان . قال الزمخشري:"لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يتعلقَ ب"أَلْقَيْتُ"فيكون المعنى: على أني أَحْبَبْتُك ، ومَنْ أحبَّه اللهُ أحبَّتْه القلوبُ ، وإمَّا أن يتعلقَ بمحذوفٍ هو صفةٌ ل"محبةً"أي: محبةً حاصلةً ، أو واقعةً مني ، قد رَكَزْتُها أنا في القلوب وزَرَعْتُها فيها".