وذلك ينافي البُنوة لأن بُنوة الإله جزء من الإلهية ، وهو أحد الوجهين في تفسير قوله تعالى: {قل إن كان للرّحمان ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] ، أي لو كان له ولد لعبدتُه قبلكم.
ومعنى {آتي الرحمان عبداً} : الإتيان المجازي ، وهو الإقرار والاعتراف ، مثل: باء بكذا ، أصله رجع ، واستعمل بمعنى اعترَف.
و {عبداً} حال ، أي معترف لله بالإلهية غير مستقل عنه في شيء في حال كونه عبداً.
ويجوز جعل {آتي الرحمان} بمعنى صائر إليه بعد الموت ، ويكون المعنى أنّه يحيا عبداً ويحشر عبداً بحيث لا تشوبه نسبة البنوة في الدنيا ولا في الآخرة.
وتكرير اسم {الرّحمان} في هذه الآية أربع مرات إيماء إلى أن وصف الرحمان الثابت لله ، والذي لا ينكر المشركون ثبوت حقيقته لله وإن أنكروا لفظه ، ينافي ادعاء الولد له لأنّ الرحمان وصف يدلّ على عموم الرّحمة وتكثرها.
ومعنى ذلك: أنّها شاملة لكل موجود ، فذلك يقتضي أن كل موجود مفتقر إلى رحمة الله تعالى ، ولا يتقوم ذلك إلا بتحقق العبودية فيه.
لأنه لو كان بعض الموجودات ابناً لله تعالى لاستغنى عن رحمته لأنه يكون بالبنوة مساوياً له في الإلهية المقتضية الغنى المطلقَ ، ولأن اتخاذ الابن يتطلّبُ به متخذُه برّ الابن به ورحمته له ، وذلك ينافي كون الله مفيض كلّ رحمة.
فذكر هذا الوصف عند قوله: {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً} وقوله {أن دعوا للرحمان ولداً} تسجيل لغباوتهم.
وذكره عند قوله: {وما ينبغي للرحمان أن يتّخذ ولداً} إيماء إلى دليل عدم لياقة اتخاذ الابن بالله.
وذكرُه عند قوله: {إلا آتي الرحمان عبداً} استدلال على احتياج جميع الموجودات إليه وإقرارها له بملكه إياها.
وجملة {لقد أحصاهم} عطف على جملة {لقد جئتم شيئاً إدّاً} ، مستأنفة ابتدائية لتهديد القائلين هذه المقالة.
فضمائر الجمع عائدة إلى ما عاد إليه ضمير {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً} وما بعده.