إن أباك الذي رباك وأنت صغير وتكفَّل بكل حاجياتك ، وأمك التي حملتْك في بطنها وسهرتْ على راحتك ، هما أوْلَى الناس بطاعتك ، ولا ينبغي أنْ تُقدِّم على أمرهما أمراً . أما أنْ يستحوذَ عليك آخرون ، ويكون لهم طاعتك وولاؤك دون أبويْك فهذا لا يجوز وأنت في رَيْعان شبابك وأَوْج قوتك .
لذلك ، من أصول التربية أنْ يُربّي الآباء أبناءهم على السمع والطاعة لهم ، ونُحذِّرهم من طاعة الآخرين خاصة غير المؤتمنين على التربية ، من العامة في الشارع ، أو أصدقاء السُّوء الذين يجرُّون الأبناء على مَا لا تُحمد عُقباه .
والآن نُحذّر أبناءنا من السَّيْر مع شخص مجهول ، أو قبول طعام ، أو شراب منه . وما نراه في عصرنا الحاضر يُغني عن الإطالة في هذه المسالة . هذه إذن مناعة يجب أنْ تُعطَى للأبناء ، كالمناعة ضد الأمراض تماماً .
وهكذا الحالُ فيمَنْ اتخذوا من دون الله آلهة وارتاحوا إلى إله لا تكليفَ له ولا مشقةَ في عبادته ، إله يتركهم يعبدونه كما يحلو لهم ، إنهم أخذوا عطاء الربوبية فتمتّعوا بنعمة الله ، وتركوا عطاء الألوهية فلم يعبدوه سبحانه وتعالى .
ولما كان الإنسان متديناً بطبعه فقد اختار هؤلاء ديناً على وَفْق أهوائهم وشهواتهم ، واتخذوا آلهة لا أمرَ لها ولا تكليفَ . ومن ذلك ما نراه من كثير من المثقفين الذين يأخذون دين الله على هواهم ، ويطيعون أعداء الله في قضايا بعيدة كل البُعْد عن دين الله ، وهم أصحاب ثقافة وعقول ناضجة ، ومع ذلك يُقنعون أنفسهم أنهم على دين وأنهم على الحق .
ثم يقول تعالى: {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} [مريم: 81] العز: هو الغَلَبة والامتناع من الغير ، بحيث لا ينال أحد منه شيئاً ، يقولون: فلان عزيز أي: لا يُغلب .
ولنا أن نسأل: ما العزة في عبادة هذه الآلهة؟ وما الذي سيعود عليكم من عبادتها؟ لذلك يردُّ عليهم الحق تبارك وتعالى: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ}