وقد ورد هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 83] أي: من كبارهم وطُغَاتهم ، ليرى التابعون مصارع المتبوعين ، ويشهد الضعفاء مصارع الأقوياء ، فينقطع أملهم في النجاة .
وفي حديث القرآن عن فرعون ، وقد بلغ قمة الطغيان والجبروت حيث ادَّعى الألوهية ، فقال عنه: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار وَبِئْسَ الورد المورود} [هود: 98] فهو قائدهم ومقدمتهم إلى جهنم ، كما كان قائدهم إلى الضلال في الدنيا ، فهو المعلم وهم المقلّدون .
فعليه إذن وزْران: ضلاله في نفسه ، ووزْر إضلاله لقومه ، كما جاء في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 79] .
ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين}
صلياً: اصطلاء واحتراقاً في النار من صَلِيَ يصْلَى: أي دخل النار وذاق حرَّها . أما: اصطلى أي: طلب هو النار ، كما في قوله تعالى: {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل: 7] .
والمعنى: أننا نعرف مَنْ هو أَوْلى بدخول النار أولاً ، وكأن لهم في ذلك أولويات معروفة ؛ لأنهم سيتجادلون في الآخرة ويتناقشون ويتلاومون وسيدور بينهم مشهد فظيع رَهيب يفضح ما اقترفوه .
فالتابع والمتبوع ، والعابد والمعبود ، كُلٌّ يُلقي باللائمة على الآخر ، اسمعهم وهم يقولون: {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: 6768] .
وفي آية أخرى: {إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب} [البقرة: 166] .