وقوله: {مِن كُلِّ شِيعَةٍ} [مريم: 69] أي: جماعة متشايعون على رأي باطل ، ويقتنعون به ، ويسايرون أصحابه: {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً} [مريم: 69] العتي: وهو الذي بلغ القمة في الجبروت والطغيان ، بحيث لا يقف أحد في وجهه ، كما قلنا كذلك في صفة الكِبَر {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً} [مريم: 8] لأنه إذا جاء الكبر لا حيلةَ فيه ، ولا يقدر عليه أحد .
ومعلوم أن رسالات السماء لما نزلتْ على أهل الأرض كان هناك أناس يُضارون من هذه الرسالات في أنفسهم ، وفي أموالهم ، وفي مكانتهم وسيادتهم ، فرسالات الله جاءتْ لتؤكد حَقّاً ، وتثبت وحدانية الله ، وسواسية الخَلْق بالنسبة لمنهج الله .
وهناك طغاة وجَبَّارون وسادة لهم عبيد ، وفي الدنيا القوى والضعيف ، والغني والفقير ، والسليم والمريض ، فجاءت رسالات السماء لِتُحدِث استطراقاً للعبودية .
فَمن الذي يُضَار ويَغْضَب ويعادي رسالات السماء؟ إنهم هؤلاء الطغاة الجبارون ، أصحاب السلطة والمال والنفوذ ، ولا بُدَّ أن لهؤلاء أتباعاً يتبعونهم ويشايعونهم على باطلهم .
فإذا كان يوم القيامة ويوم الحساب ، فبمَنْ نبدأ؟ الأنكَى أن نبدا بهؤلاء الطغاة الجبابرة ، ونقدم هؤلاء السادة أمام تابعيهم حتى يروهم أذلاء صاغرين ، وقد كانوا في الدنيا طغاةً متكبرين ، كذلك لنقطع أمل التابعين في النجاة .
فربما ظَنُّوا أن هؤلاء الطغاة الجبابرة سيتدخلون ويدافعون عنهم ، فقد كانوا في الدنيا خدمهم ، وكانوا تابعين لهم ومناصرين ، فإذا ما أخذناهم أولاً وبدأنا بهم ، فقد قطعنا أمل التابعين في النجاة .