ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام ، أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من بعض الأوهام ، فقال: {ثم} وعزتنا! {لنحن} لشمول علمنا وكمال قدرتنا وعظمتنا {أعلم} من كل عالم {بالذين هم} لظواهرهم وبواطنهم {أولى بها} أي جهنم {صلياً} وبالذين هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع الخلق من المنتزعين وغيرهم ، فلا يظن بنا أنا نضع أحداً في غير دركته أو غير طبقته من دركته ؛ وعطف هذه الجمل بأداة البعد مقرونة بنون العظمة لبعد مراتبها وتصاعدها في ذرى العليا وترقيها ، تهويلاً للمقام وتعظيماً للأمر لاستبعادهم له ، على أنه يمكن أن تكون الحروف الثلاثة للترتيب الزماني ، وهو في الأولين واضح ، وأما في الثالث فلأن العلم كناية عن الإصلاء ، لأن من علم ذنب عدوه - وهو قادر - عذبه ، فكأنه قيل: لنصلين كلاًّ منهم النار على حسب استحقاقه لأنا أعلم بأولويته لذلك.
ولما كانوا بهذا الإعلام ، المؤكد بالإقسام ، من ذي الجلال والإكرام ، جديرين بإصغاء الأفهام ، إلى ما يوجه إليها من الكلام ، التفت إلى مقام الخطاب ، إفهاماً للعموم فقال: {وإن} أي وما {منكم} أيها الناس أحد {إلا واردها} أي داخل جهنم ؛ ثم استأنف قوله: {كان} هذا الورود ؛ ولما كان المعنى أنه لا بد من من إيقاعه ، أكده غاية التأكيد فأتى بأداة الوجوب فقال: {على ربك} الموجد لك المحسن إليك بإنجاء أمتك لأجلك {حتماً} أي واجباً مقطوعاً به {مقضياً} لا بد من إيقاعه ؛ قال الرازي في اللوامع: ما من مؤمن - إلا الأنبياء - إلا وقد تلطخ بخلق سوء ولا ينال السعادة الحقيقية إلا بعد تنقيته ، وتخليصه من ذلك إنما يكون بالنار.