إن الله قد أحاط بكل شيء علما , فإذا ترتبت اللفظة من القرآن , علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولي , وتبين المعني بعد المعني , ثم كذلك من أول القرآن الي آخره , والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول , ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لايحيط بذلك , فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوي من الفصاحة , وبهذا يبطل قول من قال: ان العرب كان في قدرتهم الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك , والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط , ولهذا نري البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا , ثم ينظر فيها فيغير منها , وهلم جرا , وكتاب الله لو نزعت منه لفظة , ثم أدير لسان العرب علي لفظة أحسن منها لم يوجد ... وقامت الحجة علي العالم بالعرب , إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة .
وهذا هوالأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين أحد العلماء المعاصرين يكتب فصلا في اعجاز القرآن (كتقديم لترجمته لكتاب الظاهرة القرآنية للمفكر الإسلامي الأستاذ مالك بن نبي(يرحمه الله) يحدد فيه الاعجاز في دائرة البيان والنظم حيث يقول: ان الآيات القليلة من القرآن , ثم الآيات الكثيرة , ثم القران كله , أي ذلك كان في تلاوته علي سامعيه من العرب , الدليل الذي يطالبه بان يقطع بأن هذا الكلام مفارق لجنس كلام البشر , وذلك من وجه واحد , هو وجه البيان والنظم .
وإذا صح ان قليل القرآن
وكثيره سواء من هذا الوجه , ثبت أن ما في القرآن جملة , من حقائق الأخبار عن الأمم السابقة , ومن أنباء الغيب , ومن دقائق التشريع , ومن عجائب الدلالات علي مالم يعرفه البشر من أسرار الكون الا بعد القرون المتطاولة من تنزيله , كل ذلك بمعزل عن الذي طولب به العرب , وهو ان يستبينوا في نظمه وبيانه انفكاكه من نظم البشر وبيانهم , ومن وجه يحسم القضاء بأنه كلام رب العالمين ...