فالتوبة التي تنشئ الإيمان والعمل الصالح ، فتحقق مدلولها الإيجابي الواضح.. تنجي من ذلك المصير فلا يلقى أصحابها {غياً} إنما يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً. يدخلون الجنة للإقامة. الجنة التي وعد الرحمن عباده إياها فآمنوا بها بالغيب قبل أن يروها. ووعد الله واقع لا يضيع..
ثم يرسم صورة للجنة ومن فيها.. {لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً} فلا فضول في الحديث ولا ضجة ولا جدال ، إنما يسمع فيها صوت واحد يناسب هذا الجو الراضي. صوت السلام.. والرزق في هذه الجنة مكفول لا يحتاج إلى طلب ولا كد. ولا يشغل النفس بالقلق والخوف من التخلف أو النفاد: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} فما يليق الطلب ولا القلق في هذا الجو الراضي الناعم الأمين..
{تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً} .. فمن شاء الوراثة فالطريق معروف: التوبة والإيمان والعمل الصالح. أما وراثة النسب فلا تجدي. فقد ورث قوم نسب أولئك الأتقياء من النبيّين وممن هدى الله واجتبى ؛ ولكنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، فلم تنفعهم وراثة النسب {فسوف يلقون غيّا} ..
ويختم هذا الدرس بإعلان الربوبية المطلقة لله ، والتوجيه إلى عبادته والصبر على تكاليفها. ونفي الشبيه والنظير:
{وما نتنزل إلا بأمر ربك ، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ، وما كان ربك نسيا. رب السماوات والأرض وما بينهما ، فاعبده واصطبر لعبادته. هل تعلم له سميا؟} ..
وتتضافر الروايات على أن قوله: {وما نتنزل إلا بأمر ربك..} مما أمر جبريل عليه السلام أن يقوله للرسول صلى الله عليه وسلم رداً على استبطائه للوحي فترة لم يأته فيها جبريل. فاستوحشت نفسه ، واشتاقت للاتصال الحبيب. فكلف جبريل أن يقول له: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} فهو الذي يملك كل شيء من أمرنا: