(في الكلام عن إسماعيل عليه السلام وكونه متصفا بأنه صادق الوعد، يحاول المفسرون أن يذكروا سبب وصفه بذلك. فبعضهم كابن جريج يقول: السبب في ذلك أنه لم يعد ربه عدة إلا أنجزها، يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها، ووفّاها حقها.
وقال بعضهم: إنما قيل له (صادق الوعد) لأنه قال لأبيه: (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) فصدق في ذلك. ويقص بعضهم قصة عنه في هذا المقام هي سبب تسميته بذلك، وفيها وفاؤه بوعده بما شقّ عليه، والقولان الأولان أقوى. ويقصّ ابن كثير في هذا المقام قصة يرويها الخرائطي في صدق الوعد فيقول:
«عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يبعث فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك. قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: «يا فتى لقد شققت علي فأنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك» ورواه ابن مندة
ومن كلام ابن كثير في هذا المقام:
(فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خلفه من الصفات الذميمة قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ(الصف: 2، 3) وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» ولما كانت هذه صفات المنافقين كان
التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صادق الوعد أيضا، لا يعد أحدا شيئا إلا وفىّ له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال: «حدثني فصدقني ووعد فوفى لي» ولما توفي النبي صلّى الله عليه وسلّم قال الخليفة أبو بكر الصديق من كان له عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاءه جابر بن عبد الله فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد قال: لو كان جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، يعني ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرا فغرف بيده من المال ثم أمره بعدّه فإذا هو خمسمائة درهم