قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) [المزمل: 2] أي: صلّ الليل إلا شيئا يسيرا منه تنام فيه وهو الثلث ، ثم قال: نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) [المزمل: 3] أي: قم نصفه ، فاكتفى بالفعل الأول من الثاني لأنه دليل عليه. أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث ، أو زد على النصف إلى الثلثين. جعل له سعة في مدّة قيامه بالليل. فلما نزل هذه الآية قام رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وطائفة من المؤمنين معه ، أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ، وأخذ المسلمون أنفسهم بالقيام على المقادير حتى شقّ ذلك عليهم ، فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ أي: وتقوم نصفه وثلثه وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فيعلم مقدار ثلثيه ونصفه وثلثه ، وسائر أجزائه ومواقيته ، ويعلم أنكم أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي: لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام فيه فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: 20] رخّص لهم أن يقوموا ما أمكن وخفّ ، لغير مدة معلومة ولا مقدار.
وكان هذا في صدر الإسلام ، ثم نسخ بالصلوات الخمس. كذلك قال المفسرون:
وقوله: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ [المزمل: 6] وهي: آناؤه وساعاته ، مأخوذة من نشأت تنشأ نشئا ، ونشأت أي: ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء ، وأنشأها اللّه فنشأت
وأنشأت. ومنه قوله سبحانه: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ [الزخرف: 18] وقوله: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) [الواقعة: 35] أي: ابتدأناهن ونبّتناهن ، ومنه قيل لصغار الجواري:
نشأ.
فكأنه قال: إن ساعات الليل الناشئة ، فاكتفى بالوصف من الاسم.