وقد كان العرب يرجمون قبر أبي رِغال الثقفي الذي كان دليل جيش الحبشة إلى مكة.
قال جرير:
إذا مات الفرزدق فارجموه...
كما تَرمون قبر أبي رِغال
والرجم عادة قديمة حكاها القرآن عن قوم نوح {قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} [سورة الشعراء: 116] .
وعن أبي إبراهيم {لئن لم تنته لأرجمنك} [سورة مريم: 46] .
وقال قوم شعيب: {ولولا رهطك لرجمناك} [سورة هود: 91] .
وليس المراد به الرجم المذكور عقبه في قوله: فأتبعه شهاب مبين لأن الاستثناء يمنع من ذلك في قوله: {إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين} .
واستراق السمع: سرقتهُ.
صيغ وزن الافتعال للتكلف.
ومعنى استراقه الاستماع بخفية من المتحدث كأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذي يخفيه عنه.
و"أتبعه"بمعنى تَبعه.
والهمزة زائدة مثل همزة أبان بمعنى بان.
وتقدم في قوله تعالى: {فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين} في سورة الأعراف (175) .
والمبين: الظاهر البين.
وفيه تعليم لهم بأن الشهب التي يشاهدونها متساقطةً في السماء هي رجوم للشياطين المسترِقة طرداً لها عن استراق السمع كاملاً ، فقد عرفوا ذلك من عهد الجاهلية ولم يعرفوا سببه.
والمقصود من منع الشياطين من ذلك منعهم الاطلاع على ما أراد الله عدمَ اطلاعهم عليه من أمر التكوين ونحوه ؛ مما لو ألقته الشياطين في علم أوليائهم لكان ذلك فساداً في الأرض.
وربما استدرج الله الشياطين وأولياءهم فلم يمنع الشياطين من استراق شيء قليل يلقونه إلى الكهان ، فلما أراد الله عصمة الوحي منعهم من ذلك بتاتاً فجعل للشهب قوة خرق التموجات التي تتلقى منها الشياطين المسترقون السمعَ وتمزيقِ تلك التدرجات الموصوفة في الحديث الصحيح.
ثم إن ظاهر الآية لا يقتضي أكثر من تحكك مسترق السمع على السماوات لتحصيل انكشافات جبل المسترق على الحرص على تحصيلها.