وكلُّ أصحاب جريمة مُعيّنة يجمعهم رباط واحد ، ذلك أن أهل كل جريمة تجمعهم أثناء الحياة الدنيا - في الغالب - مودَّة وتعاطف ، أما هنا فسنجدهم متنافرين ، وعلى عداء ، ويلعن كل منهم الآخر ؛ وكل منهم يناكف الآخر ويضايقه ، ويعلن ضِيقة منه ، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين} [الزخرف: 67] .
وكأن كلاً منهم يُعذّب الآخر من قبل أنْ يذوقوا جميعاً العذاب الكبير .
ولذلك نجدهم يقولون: {رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين} [فصلت: 29] .
ويقولون: {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: 67 - 68] .
ويستكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء المُذْنبين: فيقول: {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ... .} .
و"السرابيل"جمع"سِرْبال"وهو ما يلي الجسد ، وهو ما نسميه في عصرنا"قميص". وإذا كان السِّرْبال من قطران ؛ فهو أسود لاذع نتن الرائحة سريع الاشتعال ؛ وتلك صفات القطران ، وهو شيء يسيل من بعض أشجار البادية وتلك صفاته ، وهم يستخدمونه لعلاج الجمال من الجرب .
وعادة يضرب الحق سبحانه المثل من الصورة القريبة إلى الذِّهن من التي يراها العربي في بيئته .
ويقول عنهم الحق سبحانه أيضاً:
{وتغشى وُجُوهَهُمُ النار} [إبراهيم: 50] .
والإنسان إذا ما تعرّض لأمر يصيبه بالعطب ، فأوَّل ما يحاول الحفاظ عليه هو وجهه ، ذلك أن الوجه هو أشرف شيء في الإنسان ، فما بالنا حين تغشى وجوه الكفرةِ النارُ؟ إن مجرد تخيُّل ذلك أمر مؤلم .
وسبحانه يقول في آية أخرى: {أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة ...} [الزمر: 24] .