قد حدث أن اكتشفنا حضارة ثمود ، وكذلك حضارة الفراعنة ؛ وهي الحضارة التي سبقتْ كل الحضارات في العلوم والتكنولوجيا ، ورغم ذلك لم يعرف أصحاب تلك الحضارة أن يصونوها من الاندثار الذي شاءه الله .
وما زال الناس يتساءلون: لماذا لم يترك المصريون القدماء خبرتهم الحضارية مكتوبة ومُسجّلة في خطوات يمكن أن تفهمها البشرية من بعد ذلك؟
{وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال} [إبراهيم: 45] .
أي: أن الحق سبحانه يوضح هنا أن مشيئته في إنزال العقاب قد وَضْحَتْ أمام الذين عاصروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في مساكن الأقوام التي سبقتهم ؛ وكفروا برسالات الرسل ، وسبق أن ضرب لهم الحق سبحانه الأمثال بهؤلاء القوم وبما حدث لهم . والمَثلُ إنما يضربه الله لِيُقرِّب بالشيء الحسي ما يُقرِّب إلى الأذهانِ الشيء َ المعنوي .
ويستمر قوله الحق من بعد ذلك:
{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ}
والمكْر - كما نعلم - هو تبييت الكَيْد في خفاء مستورٍ ، ومأخوذ من الشجرة المكمورة ؛ أي: الشجرة التي تُداري نفسها . ونحن نرى في البساتين الكبيرة شجرةً في حجم الإصْبع ؛ وهي مجدولةٌ على شجرة أخرى كبيرة . ولا تستطيع أن تتعرف على ورقة منها ، أو أن تنسب تلك الورقة إلى مكان خروجها ، ومن أيّ فرع في الشجرة المُلتْفة إلا إذا نزعتها من حول الشجرة التي تلتفّ من حولها .
ومَنْ يُبيِّت إنما يشهد على نفسه بالجُبْن والضعف وعدم القدرة على المواجهة ، قد يصلح أن تُبيِّت مُسَاوٍ لك ؛ أما أنْ تُبّيت على الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ؛ فتلك هي الخيبة بعينها .
ولذلك يقول الحق سبحانه في مواجهة ذلك: {والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54] .