وقلوبُهم شتَّى، أشدَّاءُ غلاظُ القلوبِ أقسى الغلظةِ على بعضِهم وبَنِي وطنِهم ودينِهم، ضعفاءُ مُتهالِكُون ليس فيهم أيُّ تماسك ولا قوة شخصية أمام عدوِّهم،
وهم يقرؤون - الليلَ والنهارَ - قول الله: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .
وقولَه: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] ؛ فلا سيحاولون أن ينصتوا بشيءٍ من ذلك القولِ الذي يَقصِده الله العليم الحكيم المحيط، ويبحثوا عن عللِه وأسبابِه الحقيقية؛ ليَأخُذُوا في توقِّيها والخلاص منها، وأنَّى للأغبياءِ الغافلين المَدسُوسين تحت أكوام زبالات التقليد الأعمى، والمُرتَكِسين في مستقرِّ نجاساتِ الخرافاتِ الوثنيةِ، والغارقين في بحارِ الشهوات البهيمية، التي مَسَخَهم اللهُ بها قردةً وخنازيرً في مساليخ الأناسي، أنَّى لهؤلاءِ وأولئك أن يُفِيقوا ويَسمَعُوا لقولِ الله ووعظِه ودعائهم إلى ما يُحْيِيهم؟
{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81] .
إن المسلمين الذين أَسلَموا للهِ ولدينِه وكتابِه ورسوله، ولم يكونوا حربًا للهِ ودينه وكتابه ورسوله - يُوقِنُون أشدَّ اليقينِ أن كلَّ عبادةٍ لها في الدنيا - ولا بدَّ - ثوابٌ وأجرٌ من العليمِ الحكيمِ؛ تحقيقًا لسنّتِه التي لا تتبدَّل، وتصديقًا لوعدِه الذي لا يُخلَف، وذلك هو الهُدَى والسعادةُ، وطِيبُ العيشِ، وتمكين الدين، والعزَّة والنصر والتأييد؛ فضلاً عن زيادةِ الإيمانِ، وتثبيتِ القلب بالاطمئنان والرضا، وتثقيفِ العقلِ بالكتاب والحكمة، وتزكيةِ النفسِ بكريم الأخلاق، وحبِّ الطيِّبات من الأقوالِ والأعمالِ، فكلما صلَّى المسلمُ، أو صام، أو بَدَرَ ربَّه بأيِّ عبادة، ولم يجد هذه الثمراتِ - عاد إلى نفسِه يَبحَثُ عن السببِ منها في تخلُّف ذلك، فيُعالِجُها من المرضِ الذي كان سببًا منه في عدمِ هذه الثمرةِ؛ فكان الفلاحُ والتقدمُ أبدًا حليف هؤلاء المسلمين.