فمَن تدبَّر القرآنَ، وفَهِمه حقَّ الفهم؛ عَلِم علمًا لا شكَّ فيه أنه يقرِّر في أتمِّ الوضوحِ أن كلَّ مَن اتَّخذ الأولياءَ والشفعاءَ من دون اللهِ، فلا يتَّخِذهم إلا على أساسِ ما أوحى إليه الشيطان، وعلى سلفه القُدَامى - من يومِ قومِ نوحٍ - أن أولئك الأولياء هم أبناء الله؛ لأن فيهم سرًّا من الله، فلهم من الدلالِ عليه ما للأولادِ المدلَّلين على أبيهم، يتصرَّفون في ملكِ والدِهم بالقبضِ والبسطِ، والإعطاءِ والمنعِ، والإعزازِ والإذلالِ بما يشاؤون، لا يخافون ملامةً، ولا يستطيُع أحدٌ أن يحاسبَهم على أيِّ تصرُّف، بل يُدخِلون الجنةَ مَن يشاؤون، ويُدخِلون النارَ مَن يشاؤون، وهذه هي العقيدةُ المُتَغلغِلة في نفوسِ عبَّادِ الموتى وقبورِهم، من قومِ نوحٍ إلى يومِ الناسِ هذا، لا يكابر فيها إلا كل من طمس الشركُ على بصيرته، وألقاه التقليدُ الأعمى للأذقانِ أعمى أبكمَ أصمَّ.
يزعمُ هؤلاءِ أن اللهَ لا يعلمُ ما يُرِيدُون أن يعلمَ من حاجاتِهم وأمراضِهم وكُرُباتِهم وشؤونِهم إلا بواسطة هؤلاء المقرَّبين عنده قربَ ذاتٍ لا قربَ عبادٍة وطاعةٍ وإيمانٍ.
فهم لذلك يَعتَقِدون أن كلَّ ما يَمسُّ أولياءهم، ويتَّصِل لهم ويُنسَب إليهم أدنى اتصالٍ وانتسابٍ من الجمادات - حلَّت فيه البركة، بل أصبحَ هذا الجمادُ قادرًا - بما اكتسب من أوليائهم - أن يُعطِيَهم البركةَ.