وكيف يَخفَى على اللهِ شيءٌ من ذلك، دقُّه وجُلُّه، وهو الذي خَلَق وأبدع وصوَّر؟ هو الذي جَمَع ذرَّات الإنسانِ وضمَّها إلى بعضها، وركَّبها ثم صوَّر منها هذا الإنسانَ، ونَفَخ فيه من رُوحِه، وجعل له السمعَ والبصرَ والفؤاد؛ لعله يَعرِف ذلك فيشكره، ولكن أكثرَ الناس لا يعقلون ولا يشكرون، فزَعَمُوا أن اللهَ يَخفَى عليه من أمرِهم ما يريدون إخفاءَه وسترَه، بل لقد زَادُوا في الغباءِ والكفرِ، فزعموا أن الله يَخفَى عليه من أمرِهم ما يريدون أن يعلمَه، ولكنه لا يعلمُه إلا بواسطةِ أوليائهم، الذين اتخذوهم شفعاء وعبدوهم من قلوبٍ صادقةٍ في الشرك؛ ليقرِّبوهم إلى الله زلفى، بل زادوا - والويل كل الويل لهم - إذ زَعَمُوا أن أولياءهم ومعبوداتِهم من نورِ الله، وأن هذا النورَ انفَصَل بطريقةٍ سريَّةٍ عن الله؛ فكانوا سرَّ السرِّ، وكانوا أهلَ اللهِ وآلَ اللهِ، فهم عندهم أبناءُ اللهِ: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5] .
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا
آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم: 89 - 95] .