فيا عجبًا كيف يظلمُ الإنسانُ نفسَه بجهلِه وغرورِه وغباوتِه؟ فيظن أنَّ اللهَ يخفَى عليه شيءٌ من قولِه وعملِه وعقيدتِه وحركاتِ قلبِه، وأهوائه وشهواته؛ فيَجتَرِئ على الكفر بالله، واتِّخاذ الأنداد من دونه، يقدِّسهم ويعظِّمهم، وينسكُ لهم أنواعَ المناسكِ المالية، والجسمية، زمانية ومكانية، ويَجتَرِئ على الفسوق والعصيان، وانتهاكِ حرماتِ الله، والسعيِ في الأرضِ بأنواع الفساد، ثم ظنَّ هذا الظالِم الجهولُ أن هذا يَخفَى على ربِّه تحت أستارِ الكذب والزور والبهتان؛ إذ يسمِّي نفسه مسلمًا، ويزعم أن ما يلوكُ بلسانِه من الدعاوى التي يكذِّبها عملُه وحالُه وعقيدتُه، وما يَأتِيه من التقاليدِ والحركات الآليةِ، جاهلاً غافلاً، مخدوعًا بأنه يسمِّيها عبادةً وإسلامًا - يزعُم هذا الظالِم الغافِلُ أن هذه الأستارَ من الباطلِ تُخفِي على اللهِ حقيقةَ
كفرِه وشِركه، وفسوقِه وعصيانِه، وإثمه وعداونِه، وأن هذه الصورَ المزخرفةَ والدهانَ المزوَّق يغطِّي عن العليم الخبير ما انطَوَت عليه النفوسُ من ظلماتِ البغي والفسادِ، وما انصَبَغت به القلوبُ من قذارةِ الوثنيةِ وأرجاسِ الشركِ، وما كفِّنت به الإنسانيةُ من أكفانِ الجهل والتقليدِ الأعمى، والمسارعة إلى طاعة الشيطانِ في كلِّ ما يدعو إليه ويُمَنِّي به من الغرورِ وسوءِ الظنِّ باللهِ اللطيف الخبير.
يا سبحان الله، ما أشدَّ ظلمَ الإنسانِ لنفسِه حين غرَّه بالله الغَرورُ! فزَعَم لنفسِه، وزَعَم له شياطينُه أن الله يَخفَى عليه كلُّ ذلك من خبائثِه ونجسه؛ لأنه غطَّاه بتلك القشور الرقيقةِ من الأسماء والدعاوى الكاذبةِ الفاجرةِ: {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 38] .
{إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16] .