يقرِّر إبراهيم - عليه السلام - ويكرِّر شهادةَ الحقِّ التي قام عنده عليها كلُّ الآياتِ في نفسِه وفي الآفاقِ: أن ربَّه ربَّ العالَمين وَسِع كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، فهو - سبحانه - يعلمُ كلَّ ما يَخفَى، مما تهجس به نفسه، ويخطر في بالِه من كلِّ الحركات الإرادية التي يتحرَّك بها الفؤاد، وتجمعُها الذاكرةُ، وتحفظُها الحافظةُ، وتتواردُ بها خواطرُ نفسِه الإنسانية بكل شؤونها وحاجاتِها لليلِ والنهارِ، وللدنيا وللآخرةِ، ومن كلِّ ما تعيشُ به النفس البشرية من مادَّة حياتِها في طعامِها وشرابِها، ومجاري ذلك كلِّه، وفي الشرايينِ والأوردة، والأعصاب والعظام، والمخ والشعر والجلد، وتحلُّل الطعام والشراب والهواء، على موادَّ حيَّةٍ تعوِّض ما يموت ويتحلَّل من الجسم بالحركةِ والنشاطِ في العمل بالليلِ والنهارِ، يعلمُ ربُّنا كلَّ ما خَفِي من كلِّ ذلك وما عَلَن من أقوالٍ وحركاتٍ وأعمالٍ، ويُحصِيها علينا أدقَّ إحصاءٍ، بل يسجِّلها بصورِها وهيئاتِها كما هي، ثم ينبِّئنا بها يومَ القيامةِ؛ لنَقضِيَ بها على أنفسِنا:
{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] .
{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] .