لذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - دائبًا في خدمةِ سيِّده، لا يَنِي ولا يَفتُر، ولا يُخْلِي لحظة ولا حركة من عبادتِه لربِّه، وتسأله عائشةُ - رضي الله عنها - أن يرفُقَ بنفسِه، فيقول: (( ألا أكونُ عبدًا شكورًا ) )؛ إيمانًا بقولِ ربِّه له وتحقيقًا لوصيتِه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] .
فما زال - صلى الله عليه وسلم - يزدادُ عبوديةً وعبادةً، ويَرقَى على مدارجِ الخدمة والإحسانِ حتى أتاه اليقينُ، ورَفَعه ربُّه إلى الرَّفيقِ الأعلى، وكان أحبُّ شيءٍ إلى قلوبِ أولئك الصفوةِ، وعلى رأسِهم خيرتُهم وصفوتُهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - مقامَ العبوديةِ، بذُلِّها وفقرِها وضراعتِها واستكانتِها، وعلى مدارجِها بَلَغوا ما بَلَغوا أولاً وآخرًا من منازل الكرامة، ووهبهم اللهُ الشاكر العليمُ ما وَهَبهم: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] .
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90] .
{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] .
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .