تبًّا لهم سائرَ الدهرِ؛ فهم لذلك يسخون السخاءَ كلَّه في الإنفاقِ على قبورهم ورجومِ ومقاصيرِ وقبابِ أوليائهم، الذين هم عندهم بلا شكٍّ أربابٌ، فيكسونَها بأنفسِ الثيابِ، ويصنعونها من الفِضَّة المموَّهة بالذهب، ويَقِفُون عليها العقارَ والدُّورَ، وهم أبخلُ الناسِ وأشحُّهم في سبيلِ الله؛ لأنهم أعداءُ اللهِ، فأكرهُ شيءٍ إلى نفوسِهم ما يكون في مرضاةِ الله خالصًا لوجهه، ثم يتوقَّح أولئك الفَجَرة المُجرِمون، فيُسمُّون وثنيتَهم القذرةَ هذه إسلامًا، كما يُسمِّي اليهودُ بَغْيَهم وإفسادَهم وإجرامَهم وشديدَ كفرِهم دينَ موسى، وكما يُسمِّي النصارى كفرَهم وفجورَهم وإجرامَهم دينَ المسيحِ عيسى ابنِ مريم، حذوَ النعلِ بالنعلِ، وكما كانت قريشٌ تسمِّي وثنيتَها الحنيفيةَ دينَ إبراهيمَ.
وبرَّأ الله الإسلامَ دينَ إبراهيمَ وموسى وعيسى ومحمدٍ، بل وجميعِ الأنبياءِ - عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام - من هذا الكفرِ والوثنيةِ: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] .
ثم يذكر إبراهيمُ ما أسدى إليه ربُّه من جميل فضلِه، وما أنعم عليه من نعمِه، ويُثنِي عليه بما هو له - سبحانه - أهلٌ، فيقول:
• {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] .