والدليل على أن الذرية هِبَة هو ما شاءه سبحانه مع زكريا عليه السلام ؛ وقد طلب من الله سبحانه أن يرزقه بغلام يرثه ، على الرغم من أنه قد بلغَ من الكِبَر عِتياً وزوجه عاقر ؛ وقد تعجَّب زكريا من ذلك ؛ لأنه أنجب بقوة ، وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: {كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9] .
وهذا يعني ألاَّ يدخل زكريا في الأسباب والمُسبِّبات والقوانين .
وقد سمَّى الحق سبحانه الذرية هِبةً ؛ لذلك يجب أن نشكرَ الله لأن الذي يقبل هبة الله في إنجاب الإناث برضاً يرزقه الله بشباب يتزوجون البنات ؛ ويصبحون أطوعَ له من أبنائه ، رغم أنه لم يَشْقَ في تربيتهم .
وكل منّا يرى ذلك في مُحِيطة ، فمَنْ أنجب الأولاد الذكور يظل يرقب: هل يتزوج ابنه بمَنْ تخطفه وتجعله أطوعَ لغيره منه .
وإنْ وهب لك الذكور فعلى العين والرأس أيضاً ، وعليك أنْ تطلبَ من الله أن يكون ابنك من الذرية الصالحة ، وإنْ وهبكَ ذُكْرنا وإناثاً فلكَ أن تشكره ، وتطلب من الله أن يُعينك على تربيتهم .
وعلى مَنْ جعله الحق سبحانه عقيماً أن يشكرَ ربه ؛ لأن العُقْم أيضاً هبةٌ منه سبحانه ؛ فقد رأينا الابن الذي يقتل أباه وأمه ، ورأينا البنت التي تجحد أباها وأمها .
وإنْ قَبِل العاقر هبةَ الله في ذلك ؛ وأعلن لنفسه ولمَنْ حوله هذا القبول ؛ فالحق سبحانه وتعالى يجعل نظرة الناس كلهم له نظرة أبناء لأب ، ويجعل كل مَنْ يراه من شباب يقول له:"أتريد شيئاً يا عم فلان؟"ويخدمه الجميع بمحبة صافية .
وإبراهيم - عليه السلام - قد قال للحق سبحانه:
{الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر ...} [إبراهيم: 39] .
والشكر على الهبة - كما عرفنا - يُشكِّل عطاءَ الذرية في الشباب ، أو في الشيخوخة .
وأهل التفسير يقولون في:
{عَلَى الكبر ...} [إبراهيم: 39] .