أنه يشكر الحق سبحانه على وَهْبه إسماعيل وإسحاق مع أنه كبير . ولماذا يستعمل الحق سبحانه (على) وهي من ثلاثة حروف ؛ بدلاً من"مع"ولم يَقُل"الحمد لله الذي وهب لي مع الكِبَر إسماعيل وإسحاق".
وأقول: إن (على) تفيد الاستعلاء ، فالكِبَر ضَعْف ، ولكن إرادة الله أقوى من الضعف ؛ ولو قال"مع الكبر"فالمعيّة هنا لا تقتضي قوة ، أما قوله:
{وَهَبَ لِي عَلَى الكبر ...} [إبراهيم: 39] .
فيجعل قدرة الله في العطاء فوق الشيخوخة .
وحين يقول إبراهيم عليه السلام ذلك ؛ فهو يشكر الله على استجابته لما قاله من قبل: {إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37] .
أي: أنه دعا أن تكونَ له ذرية .
ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقول إبراهيم:
{إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء} [إبراهيم: 39] .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {رَبِّ اجعلني ...} .
وكأن إبراهيم عليه السلام حين دعا بأمر إقامة الصلاة فهذه قضية تخصُّ منهج الله ، وهو يسأل الله أنْ يقبلَ ، ذلك أن الطلبات الأخرى قد طلبها ببشريته ؛ وقد يكون ما طلبه شراً أو خيراً ؛ ولكن الطلب بأن يجعله مُقيماً للصلاة هو وذريته هو طَلَبٌ بالخير .
ويتتابع الدعاء في قول الحق سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ ...} .
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)
ونعلم أن طلب الغُفْران من المعصوم إيذانٌ بطلاقة قدرة الله في الكون ، ذلك أن اختيار الحق سبحانه للرسول أيّ رسول لا يُعفى الرسول المختار من الحذَر وطلب المغفرة ، وها هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إني استغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة".