وهكذا يتحقق قول إبراهيم - عليه السلام - في أن الله يعلم ما نُسِرّ وما نُعلِن ؛ ذلك أن كل مُعْلَن لا يكون إلا بعد أن كل مَخْفياً ، وعلى الرغم منَ أن الله غَيْبٌ إلا أن صِلَته لا تقتصر على الغيب ؛ بل تشمل العالم الظاهر والباطن ؛ وكل مظروف في السماء أو الأرض معلومٌ لله ؛ لأن ما تعتبره أنت غيباً في ذهنك هو معلوم لله من قبل أن يتحرك ذهنك إليه .
ولذلك يقول سبحانه في موقع آخر: {وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} [طه: 7] .
فإذا كان السِّر هو ما أسررْت به لغيرك ؛ وخرج منك لأنك استأمنتَ الغير على ألاّ يقوله ، أو كان السر ما أخفيتَه أنت في نفسك ؛ فالله هو العَالِم به في الحالتين .
ويقول القرآن: {وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً . .} [التحريم: 3] .
أي: أن السِّرَّ كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى بعضٍ من أزواجه . والأَخْفى هو ما قبل أنْ تبوحَ بالسرِّ ؛ وكتمته ولم تَبُحْ به .
وسبحانه يعلم هذا السر وما تخفيه . أي: السر الذي لم تَقًُلْه لأحد ، بل ويعلمه قبل أنْ يكونَ سرِاً .
ويقول سبحانه ما قاله إبراهيم - عليه السلام - ضراعةَ وحَمْداً له سبحانه: {الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي ...} .
والوَهْب هو عطاء من مُعْطٍ بلا مقبال منك . وكل الذرية هِبَة ، لو لم تكُنْ هبة لكانت رتيبة بين الزوجين ؛ وأينما يوجد زوجان توجد . ولذلك قال الله: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49 - 50] .