و"من الناس"في"مِنْ"وجهان ، أحدُهما: أنها لابتداءِ الغاية . قال الزمخشريُّ: " ويجوز أن تكونَ"مِنْ"لابتداءِ الغايةِ كقولك: " القلبُ مني سقيم"تريد: قلبي ، كأنه قيل: أفئدةَ ناسٍ ، وإنما نَكَّرْتَ المضافَ في هذا التمثيلِ لتنكيرِ"أَفْئدة"لأنها في الآية نكرةٌ ، ليتناولَ بعضَ الأفئدةِ". قال الشيخ:"ولا يَظْهر كونُها للغايةِ ؛ لأنه ليس لنا فِعْلٌ يُبتدأ فيه بغايةٍ ينتهي إليها ، إذ/ لا يَصِحُّ جَعْلُ ابتداءِ الأفئدة من الناس".
والثاني: أنها للتبعيضِ ، وفي التفسير: لو لم يقل"من الناس"لحجَّ الناسُ كلُّهم .
قوله:"تَهْوي"هذا هو المفعولُ الثاني للجَعْل . والعامَّة"تَهْوِي"بكسرِ العين بمعنى: تُسْرِعُ وتَطيرُ شوقاً إليهم . قال:
2897 - وإذا رَمَيْتَ به الفِجاجَ رَأَيْتَه ... يَهْوي مخارمَها هُوِيَّ الأجْدَلِ
وأصلُه أنْ يتعدَّى باللام ، كقوله:
2898 - حتى إذا ما هَوَتْ كفُّ الغلامِ لها ... طارَتْ وفي كَفِّه مِنْ ريشِها بِتَكُ
وإنَّما عُدِّي ب"إلى"لأنه ضُمِّنَ معنى"تميل"، كقوله:
2899 - تَهْوي إلى مكَّةَ تَبْغي الهدى ... ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كأَنْجاسِها
وقرأ أميرُ المؤمنين علي وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر ابن محمد ومجاهد بفتح الواو ، وفيه قولان ، أحدُهما: أنَّ"إلى"زائدةٌ ، أي: تهواهم . والثاني: أنه ضُمِّنَ معنى تَنْزِعُ وتميل ، ومصدرُ الأول على"هُوِيّ"، كقوله:
2900 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... يَهْوي مخارِمَها هُوِيَّ الأجْدَل
والثاني على"هَوَى". وقال أبو البقاء:"معناهما متقاربان إلاَّ أَنَّ هَوَى - يعني بفتح الواو - متعدٍّ بنفسه ، وإنما عُدِّيَ بإلى حَمْلاً على تميل".