ويدلُّ كل هذا على أن هذا الدعاءَ إنما كان بعد بناءِ البيت المحرَّم؛ فإن اسمَ"البيت"لا يقع إلا على بناءٍ قائمٍ مرفوعٍ يسمَّى بهذا الاسم، والقرآن عربِيٌّ مُبِين، والعرب لا تعرف في لغتها اسم البيت، إلا على البناءِ المرفوع المُعَدِّ لما بُنِي له من سني أو غيرها، أما قبل البناء وإقامة الجدران ورفع القواعد، فلا يسمَّى في لغة العرب - لغة القرآن - بنيانًا، وإنما يسمَّى بقعةً، أو مكانًا، أو غير ذلك.
وفي الحديثِ الصحيح: (( أن مكان البيت كان ربوة ) )عند نزول هاجر وابنها إسماعيل وهو رضيعٌ، ولم يقل"البيت"، وإنما قال:"مكان البيت"، وليس في القرآن ولا في صحيح السنة ما يدلُّ على أن البيت كان موجودًا عند إنزالِهما في هذا الوادي، ولا كان معروفًا لها ولا لإبراهيم، ولو أنه كان قائمًا أو معروفًا لإبراهيمَ أو لهاجرَ لَمَا حَزِنت وأخذَها الهمُّ العظيم حين تركها إبراهيم وقَفَل راجعًا، فأخذت تلحُّ عليه في المسألةِ: أتتركُنا هنا؟ وهو لا يُجِيب؛ لأنه لا يجد جوابًا، حتى قالت له: آللهُ أَمَرك بهذا؟ فقال لها: نعم، فانفرج همُّها وسرِّي عنها، قالت: إذًا لا يضيِّعنا، ولو كان عند إبراهيم علمٌ بالبيت، لقال لها من أول مرة تسألُه: لا تَحزَنِي؛ فإنك بجوارِ بيت الله، ولو كان البيت قائمًا، أو له أثرٌ تَعرِفُه به هاجر، لَمَا كان ثَمَّ ما يدعوهم إلى هذا الهمِّ والحزن، ولا للإلحاح في السؤالِ لإبراهيم، ذلك كلُّه فوق ما قال الله في سورة الحج: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] ؛ أي: دلَلناه عليه حتى رجَع وبَاءَ إلى الموضعِ المعيَّن الذي أراد الله إقامةَ بيتِه المحرَّم فيه، وكانت هذه الدلالة بواسطة جبريلَ، ولو كان هناك شيءٌ يدلُّ على البيتِ لدلَّ إبراهيم عليه من غير حاجةٍ إلى جبريل.
والثابتُ الذي لا شكَّ فيه: أن إبراهيمَ كان يأتِي لمطالعةِ تركتِه إسماعيلَ وهاجرَ، التي تركها في هذه البقعةِ من هذا الوادي، وأن تلك الزيارةَ كانت تتكرَّر، وأنه جاء وقد كبِر إسماعيلُ وصار