فاعلم - وفقني الله وإيَّاك للسدادِ والحكمةِ، والرشدِ في القول والعمل - أن الشيطانَ كاد لبني آدمَ من قديمِ الزمنِ شرَّ كيدٍ، ومكر بهم أسوأَ مكرٍ، بما أَغرَاهم من التأويل في اللهِ وأسمائه وصفاتِه بالظنونِ الجاهلة الكاذبة، والأهواءِ الغاويةِ الخاطئةِ، حين صَرَفهم عن الحقِّ الذي تعهَّد اللهُ به الإنسان في كلِّ أطوارِه وأدوارِه، بما يصطفي من رسلٍ، ويبعث من أنبياءَ يُنذِرُون الناسَ، ويُحَذِّرونهم كيدَ الشيطانِ ومَكْرَهُ وإضلاله، ويهدونهم إلى صراط الله المستقيم في معرفتِه بأسمائه وصفاته، وآثارِ رحمتِه وقدرتِه وحكمته، وفي إخلاصِ العبادة والإسلامِ له وحده؛ لأنه الكبيرُ
المتعالي، القوي العزيز، الحي القيوم، الخالق البارئ المصوِّر، الذي له الأسماء الحسنى، والذي يسبِّح له ما في السمواتِ والأرضِ، وكلُّ شيء في الوجودِ، فهو خلْقُه وحدَه، وهو تحتَ قهرِه وحدَه، فمنهم مَن هدى الله، ومنهم مَن حقَّت عليه الضلالةُ، فأما الذين هَدَاهم الله بسننِ الفطرةِ وآياته الكونيةِ التي آمنوا بها؛ فعَرَفوا بها ربَّهم العليم الحكيم ربَّ العالمين، فهم حَرِيصُون أبدًا على الاستمساكِ برسالةِ المرسَلينَ، قابضون بأيديهم وعاضُّون بالنواجذِ على سنتِهم، منتبهون لا يَغفُلُون، يَقِظُون لا ينامون، مهما حاول الشيطانُ أن يُنِيمَهم بمكرِه وخديعتِه، أولئك على هدًى من ربهم، وأولئك هم المفلحون.