قَالَ:"اسْتِفْتَاحُهُمْ بِالْبَلَاءِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا أَمْطَرْتَهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ، أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ قَالَ:"كَانَ اسْتِفْتَاحُهُمْ بِالْبَلَاءِ كَمَا اسْتَفْتَحَ قَوْمُ هُودٍ، {ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} قَالَ:"فَالِاسْتِفْتَاحُ: الْعَذَابُ. قَالَ: قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ لِهَذَا أَجَلًا، حِينَ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَلْ نُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، فَقَالُوا: لَا نُرِيدُ أَنْ نُؤَخَّرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ {رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا} عَذَابَنَا {قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} وَقَرَأَ: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجْلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} حَتَّى بَلَغَ: {وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) }
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: {مِنْ وَرَائِهِ} مِنْ أَمَامِ كُلِّ جَبَّارٍ {جَهَنَّمُ} يَرِدُونَهَا وَوَرَاءَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: يَعْنِي أَمَامَ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَوْتَ مِنْ وَرَائِكَ: أَيْ قُدَّامِكَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ ... كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي
يَعْنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ: قُدَّامَ بَنِي رِيَاحٍ وَأَمَامَهُمْ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنْ وَرَائِهِ} أَيْ مِنْ أَمَامِهِ، لِأَنَّهُ وَرَاءَ مَا هُوَ فِيهِ، كَمَا يَقُولُ لَكَ: وَكُلُّ هَذَا مِنْ وَرَائِكَ: أَيْ سَيَأْتِي عَلَيْكَ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ مَا أَنْتَ فِيهِ لِأَنَّ مَا أَنْتَ فِيهِ قَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: {وَرَاءَهُمْ مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} مِنْ هَذَا الْمَعْنَى: أَيْ كَانَ وَرَاءَ مَا هُمْ فِيهِ أَمَامَهُمْ.