والثاني: أن معناه: ضاق صبره وعظم المكروه عليه ؛ وأصله من ذرع فلاناً القيءُ: إِذا غلبه وسبقه.
والثالث: أن المعنى: ضاق بهم وُسْعُه ، فناب الذرع والذراع عن الوسع ، لأن الذراع من اليد ، والعرب تقول: ليس هذا في يدي ، يعنون: ليس هذا في وُسْعِي ؛ ويدل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع ، فيقولون: ضقت بهذا الأمر ذراعاً ، قال الشاعر:
إِلَيْكَ إِلَيْكَ ضَاقَ بِهِم ذِرَاعَا ...
فأما العصيب ، فقال أبو عبيدة: العصيب: الشديد الذي يعصب الناس بالشر ، وأنشد:
يَوْمٌ عَصِيبُ يَعْصِبُ الأَ بْطَالاَ ...
عَصْبَ القويِّ السَّلَمَ الطِّوالا
وقال أبو عبيد: يقال: يوم عصيب ، ويوم عصبصب: إِذا كان شديداً.
قوله تعالى: {يهرعون إِليه} قال ابن عباس ، ومجاهد:"يهرعون"يسرعون.
وقال الفراء ، والكسائي: لا يكون الإِهراع إِلا إِسراعاً مع رِعدة.
قال ابن قتيبة: الإِهراع شبيه بالرِعدة ، يقال: أُهرع الرجل: إِذا أسرع ، على لفظ ما لم يسم فاعله ، كما يقال: أُرعد.
قال ابن الأنباري: الإِهراع فعل واقع بالقوم وهو لَهم في المعنى ، كما قالت العرب: قد أُولع الرجل بالأمر ، فجعلوه مفعولاً ، وهو صاحب الفعل ، ومثله: أُرعد زيد ، وسُهي عمرو من السهو ، كل واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدراً تقدير المفعول ، وهو صاحب الفعل لا يُعرف له فاعل غيره.
قال: وقال بعض النحويين: لا يجوز للفعل أن يُجعل فاعله مفعولاً ، وهذه الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون ، وتأويل"أولع زيد": أولعه طبعه وجِبلَّته ،"وأُرعد الرجل": أرعده غضبه ،"وسهي عمرو"جعله ساهياً مالُه أو جهله ، و"أُهرع"معناه: أهرعه خوفه ورعبه ؛ فلهذه العلة خرِّج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به.
قال: وقال بعض اللغويين: لا يكون الإِهراع إِلا إِسراع المذعور الخائف ؛ لا يقال لكل مسرع: مهرع حتى ينضم إِلى إِسراعه جزع وذعر.