قال ابن الأنباري: ووحد القليل؛ لأنه لفظ مبني للجمع لما كان الواحد لا يوصف به ولا الاثنين، فلما كان مبناه للجمع استغنى عن علامة الجمع، وجمع في قوله: {لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54] استيثاقًا من الجمع، لما كان (قليل) لفظه لفظ الواحد، كما جمعت العرب البيوت وهي جمع؛ للاستيثاق فقالوا: بيوتات، قال: ويجوز أن يقال في توحيد القليل إنه وصف لجمع خرج على تقطيع الواحد، تقديره وما آمن معه إلا نفر قليل، وقيل: أراد الجمع فاكتفى بالواحد منه، كقوله:
قد عض أعناقهم جلد الجواميس
وقد مرَّ.
41 -قوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا} ، يعني قال نوخ لقومه الذين أمر بحملهم:"اركبوا"، والركوب العلو على ظهر الشيء ، فمنه ركوب الدابة، وركوب السفينة، وركوب البر، وركوب البحر، وكل شيء علا شيئاً فقد ركبه، وركبه الدين، قال الليث: وتسمي العرب من يركب السفينة ركاب السفينة، وأما الرُّكْبَانُ والأرْكوب والرَّكب فراكبو الدّواب والإبل، قال الأزهري: وقد جعل ابن أحمر ركاب السفينة ركباناً فقال:
يهل بالفرقد ركبانها ... كما يُهِلُّ الراكب المعتمر
وقوله تعالى: {فِيهَا} لا يجوز أن تكون (في) من صلة الركوب؛ لأنه يقال: ركبت السفينة، ولا يقال: ركبت في السفينة، والوجه هاهنا أن يقال: مفعول (اركبوا) محذوف على تقدير: اركبوا الماء في السفينة، فيكون
قوله: {فِيهَا} حالاً من الضمير في (اركبوا) ، ويجوز أن يقال المعنى: اركبوها أي الفلك، وزاد (في) للتأكيد كقوله: {لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] ، وفائدة هذه الزيادة أنه أمرهم أن يكونوا [في جوف الفلك لا على ظهرها، فلو قال: (اركبوها) لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا] على ظهر السفينة.