رد لقولهم: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا} [هود: 27] أي لا أقول ترويجاً لما أدعيه من النبوة إني ملك حتى تقولوا لي ذلك وتكذبوني فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها يعني كما قيل: إنكم اتخذتم فقدان هذه الأمور الثلاثة ذريعة إلى تكذيبي ، والحال أني لا أدعي شيئاً من ذلك ولا الذي يتعلق بشيء منها ، وإنما الذي أدعيه يتعلق بالفضائل التي تتفاوت بها مقادير البشر ، وقيل: أراد بهذا لا أقول: إني روحاني غير مخلوق من ذكر وأنثى بل ءنما أنا بشر مثلكم فلا معنى لردكم على بقولكم
{مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا} [هود: 27] وعلى القولين لا دليل فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم السلام خلافاً لمن استدل به ، وجعل ذلك كلاماً آخر ليس رداً لما قالوه سابقاً مما لا وجه له فتدبر {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ} أي تستحقرهم والأصل تزتري بالتاء إلا أنها قلبت دالاً لتجانس الزاي في الجهر لأنها من المهموسة ، وأصل الازدراء الإعابة يقال: ازدراه إذا عابه ، والتعبير بالمضارع للاستمرار ، أو لحكاية الحال لأن الازدراء قد وقع ، وإسناده إلى الأعين مجاز للمبالغة في رأي من حيث أنه إسناد إلى الحاسة التي لا يتصور منها تعييب أحد فكأن من لا يدرك ذلك يدركه ، وللتنبيه على أنهم استحقروهم بادئ الرؤية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل وتدبر في معانيهم وكمالاتهم ، وعائد الموصول محذوف كما أشرنا إليه ، واللام للأجل لا للتبليغ وإلا لقيل فيما بعد يؤتيكم أي لا أقول مساعدة لكم ونزولاً على هواكم في شأن الذين استرذلتموهم واستحقرتموهم لفقرهم من المؤمنين {لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا} في الدنيا أو في الآخرة فعسى الله سبحانه يؤتيهم خيري الدارين.