مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ يعاينون دلائل نبوتك ولكن لا يصدقونك أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ شبههم بهم في عدم الاهتداء وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ولو انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة، فإن المقصود من الإبصار: هو الاعتبار والاستبصار. والآية كالتعليل للأمر بالتبري والإعراض عنهم.
لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً بسلب حواسهم وعقولهم وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بإفسادها وتفويت منافعها عليها. وفيه دليل على أن للعبد كسبا وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية، كما زعمت المجبرة.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى طعن الكافرين في النبوة والوحي، وبعد أن أنذرهم بالدمار والعذاب في الدنيا بقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ذكر أنهم في الواقع فريقان: فريق يصدق بأن القرآن كلام الله، ولكنه يكابر ويعاند، وفريق لا يصدق به أصلا لفرط غباوته وجهله، فيصر على تكذيب النبي لفقده الاستعداد للإيمان به، فلا أمل في إصلاحه وهدايته، فتكون المصلحة في إعطاء الفرصة للفريق الأول للإيمان دون الاستئصال.
التفسير والبيان:
المشركون في الحال والاستقبال فريقان: فريق يصدق بالقرآن في نفسه
ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب، وفريق يشك فيه لا يصدق به. هذا في الحال. ويجوز أن يراد بفعل يُؤْمِنُ الاستقبال، أي ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من سيؤمن بهذا القرآن، ويتبعك، وينتفع بما أرسلت به ومنهم من سيصرّ على كفره، ويموت على ذلك ويبعث عليه.
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة فيضله، وهؤلاء هم المعاندون أو المصرّون، والله العادل الذي لا يجوز، بل يعطي كلا ما يستحقه، فمعنى الآية: وربك أعلم بمن يفسد في الأرض بالشرك والظلم والطغيان، فلا أمل في صلاحهم، لفقدهم الاستعداد للإيمان، وسيعذبهم في الدنيا والآخرة.