ومن المحال أن يأتيَ واحد منهم بكلام، يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالبهم أن يأتوا بسورة مثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، ثم يعجزون جميعهم عن ذلك.
ومن الواضح أن الآيتين السابقتين قد وردتا على نمط واحد من الأسلوب. والفرق الوحيد بينهما هو أن التحدي في الأولى أتى"بِسُورَةٍ مِثْلِهِ"، وفي الآية الثانية أتى"بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ". وما عدا ذلك فكل ما فيهما مماثل للآخر.
وأول ما يلفت النظر - هنا - هو تصدُّر الآيتين الكريمتين بـ"أَمْ"، وهي للإضراب الانتقالي من النفي إلى الاستفهام الإنكاري التعجبي. والغرض منه إبطال دعواهم أن يكون هذا القرآن مفترًى من دون الله جل وعلا.
و"أَمْ"هذه هي التي تتقدر عند النحاة بـ (همزة الإنكار) و (بل) . وعليه يكون تقدير الكلام: بل، أيقولون افتراه بعدما تبين لهم من الدلائل على صدقه وبراءته من الافتراء؟ وقيل: إنكار لقولهم واستبعاد.
والافتراء معناه: الكذب. وأكثر استعماله في اللغة في الإفساد؛ وكذلك استعمل في القرآن في الشرك، والظلم، والكذب عن عمد؛ نحو قوله تعالى:
"وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً" (النساء: 48)
وقوله تعالى:
"انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً" (النساء: 50)
وواضح أن المراد بقوله تعالى في آية هود:
"فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ" (هود: 13)
أن يأتوا بعشر سور مثل القرآن مفتريات. ويدل عليه أن ضمير الغائب في قوله تعالى:"افْتَرَاهُ"يعود على قوله:"بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ"من الآية السابقة، وهي قوله تعالى:
"فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ" (هود: 12)
أما قوله تعالى في آية يونس:
"فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ" (يونس: 38)
فالمراد به: أن يأتوا بكلام، أو بقرآن مثل القرآن على وجه الافتراء، لا سورة واحدة مثله. والدليل على ذلك: