قدم وفد أهل العراق على معاوية رحمه الله، فلما دخلوا عليه قال: [مرحبا بكم] يا أهل العراق، قدمتم أرض الله المقدّسة، منها المنشر، وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير: يبرّ كبيركم، ويرحم صغيركم، ولو أن الناس كلّهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء! فأشار الناس إلى صعصعة بن صوحان فقام فحمد الله وصلى على النبي صلّى الله عليه وسلم ثم قال: أمّا قولك يا معاوية: «إنا قدمنا الأرض المقدّسة» فلعمري ما الأرض تقدّس الناس، ولا يقدّس الناس إلّا أعمالهم. وأمّا قولك: «إن منها المنشر وإليها المحشر» فلعمري ما ينفع قربها كافرا، ولا يضرّ بعدها مؤمنا. وأما قولك: «لو أنّ الناس كلّهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء» فقد ولدهم من هو خير
من أبي سفيان: آدم صلّى الله عليه، فمنهم الحليم والسفيه، والجاهل والعالم.
وقالت الحكماء: خير الكلام ما أغنى قليله عن كثيره.
وقالوا: خير الكلام ما لم تحتج بعده إلى كلام.
وقالوا: أبلغ الكلام ما سبق معناه لفظه.
وقالوا: البلاغة ما فهمته العامّة، ورضيته الخاصّة.
وقيل لبعض الحكماء: ما أحسن الكلام؟ قال: ما استحسنه سامعه.
قيل: ثم ماذا؟
قال: ثم ما حصلت منافعه. قيل: ثم ماذا؟ قال: ما لم تذمّ عواقبه. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثمّ.
وقيل لبعضهم: من البليغ؟ قال: من أخذ معاني كثيرة فأدّاها بألفاظ قليلة، أو أخذ معاني قليلة فولّد منها ألفاظا كثيرة.
قلت: كأنّه عنى بهذا القول قول عيد الله بن المعتزّ في صفة الآذريون
وآذريون أتاك في طبقه ... كالمسك في نشره وفي عبقه
قد نفض العاشقون ما صنع ال ... هجر بألوانهم على ورقه
فالبيت كلّه أنّه أصفر.
وقال بعض الأدباء: إن أمكنك أن تبلغ من بيان وصفك، وبلاغة
منطقك، واقتدارك على فصاحتك: أن تفهم العامّة معاني الخاصّة، وتكسوها الألفاظ المبسوطة التي لا تلطف عن الدّهماء ولا تجلّ عن الأكفاء: فأنت البليغ الكامل.
وسئل أرسطاطاليس عن البلاغة؟ فقال: إقلال في إنجاز، وصواب مع سرعة جواب. وسئل عن العيّ؟ فقال: كثرة القول المقصّر عن بلوغ المعنى.
وتكلم ابن السّمّاك يوما وجارية له تسمع، فلما دخل قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قال: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده! قال: إنما أردّده ليفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه قد ملّه من قد فهمه!