يَقُولُ: مَنْ يُنْشِئُ خَلْقَ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، فَيُحْدِثُ خَلْقَهُ ابْتِدَاءً ثُمَّ يُعِيدُهُ، يَقُولُ: ثُمَّ يَفْنِيهِ بَعْدَ إِنْشَائِهِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْنِيهِ؟ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَعْوَى ذَلِكَ لَهَا. وَفِي ذَلِكَ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ وَالدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا أَرْبَابٌ، وَهِيَ لِلَّهِ فِي الْعِبَادَةِ شُرَكَاءُ كَاذِبُونَ مُفْتَرُونَ.
فَـ {قُلْ} لَهُمْ حِينَئِذٍ يَا مُحَمَّدُ: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ} فَيُنْشِئْهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَيُحْدِثُهُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ثُمَّ يَفْنِيهِ إِذَا شَاءَ، {ثُمَّ يُعِيدُهُ} إِذَا أَرَادَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ الْفَنَاءِ.
{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}
يَقُولُ: فَأَيُّ وَجْهٍ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ وَطَرِيقِ الرُّشْدِ تُصْرَفُونَ وَتُقْلَبُونَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ} الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَذَلِكَ آلِهَتُهُمْ وَأَوْثَانُهُمْ، {مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ}
يَقُولُ: مَنْ يُرْشِدُ ضَالًّا مِنْ ضَلَالَتِهِ إِلَى قَصْدِ السَّبِيلِ، وَيُسَدِّدُ جَائِرًا عَنِ الْهُدَى إِلَى وَاضِحِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ آلِهَتَهُمْ وَأَوْثَانَهُمْ تَرْشُدُ ضَالًّا أَوْ تَهْدِي حَائِرًا. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنِ ادَّعُوا ذَلِكَ لَهَا أَكْذَبَتْهُمُ الْمُشَاهَدَةُ وَأَبَانَ عَجْزَهَا عَنْ ذَلِكَ الِاخْتِبَارِ بِالْمُعَايَنَةِ، فَإِذَا قَالُوا لَا وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، فَقُلْ لَهُمْ. فَاللَّهُ يَهْدِي الضَّالَّ عَنِ الْهُدَى إِلَى الْحَقِّ.
{أَفَمَنْ يَهْدِي} أَيُّهَا الْقَوْمُ ضَالًّا {إِلَى الْحَقِّ} وَجَائِرًا عَنِ الرُّشْدِ إِلَى الرُّشْدِ، {أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ} إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ