وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ: «تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ» بِالتَّاءِ وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ وَتَأْوِيلُهُ: هُنَالِكَ تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ فِي الدُّنْيَا لِذَلِكَ الْيَوْمِ. وَرُوِي بِنَحْوِ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ وَسَنَدٍ غَيْرِ مُرْتَضَى أَنَّهُ قَالَ: «يُمَثِّلُ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَتْبَعُونَهُمْ حَتَّى يُورِدُوهُمُ النَّارَ» قَالَ: ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ:" {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} "
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَاهُ: تَتْلُو كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، يَعْنِي تَقْرَأُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا}
وَقَالَ آخَرُونَ: تَبْلُو: تُعَايِنْ.
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} قَالَ: مَا عَمِلَتْ. تَبْلُو: تُعَايِنُهُ"
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَئِمَّةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَبِعَ فِي الْآخِرَةِ مَا أَسْلَفَ مِنَ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا، هَجَمَ بِهِ عَلَى مَوْرِدِهِ، فَيُخْبَرُ هُنَالِكَ مَا أَسْلَفَ مِنْ صَالِحٍ أَوْ سَيِّئٍ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّ مَنْ خُبِّرَ مَا أَسْلَفَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّمَا يُخَبَّرُ بَعْدَ مَصِيرِهِ إِلَى حَيْثُ أَحَلَّهُ مَا قَدَّمَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلِهِ، فَهُوَ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُتَّبِعٌ مَا أَسْلَفَ مِنْ عَمَلِهِ مُخْتَبَرٌ لَهُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ كَمَا وَصَفْنَا فَمُصِيبُ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَرَجَعَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ إِلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ رَبُّهُمْ وَمَالِكُهُمُ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ دُونَ مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَهُمْ أَرْبَابٌ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ.