يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ نَجْمَعُ الْخَلْقَ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ جَمِيعًا، ثُمَّ نَقُولُ حِينَئِذٍ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ: مَكَانَكُمْ؛ أَيْ امْكُثُوا مَكَانَكُمْ، وَقِفُوا فِي مَوْضِعِكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، وَشُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ}
يَقُولُ: فَفَرَّقْنَا بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، وَمَا أَشْرَكُوهُ بِهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَأَبَنْتُهُ مِنْهُ.
وَقَالَ: «فَزَيَّلْنَا» إِرَادَةُ تَكْثِيرِ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرِهِ. وَلَمْ يَقُلْ: «فَزِلْنَا بَيْنَهُمْ» .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «فَزَايَلْنَا بَيْنَهُمْ» ، كَمَا قِيلَ: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ} وَلَا تُصَاعِرْ خَدَّكَ"، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي فَعَلْتُ، يُلْحِقُونَ فِيهَا أَحْيَانًا أَلِفًا مَكَانَ التَّشْدِيدِ، فَيَقُولُونَ: فَاعَلْتُ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ لِوَاحِدٍ."
وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ فَلَا تَكَادُ تَقُولُ إِلَّا فَاعَلْتُ.
{وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} وَذَلِكَ حِينَ {تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} لَمَّا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ اتَّبِعُوا مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَنُصِبَتْ لَهُمْ آلِهَتُهُمْ، قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ هَؤُلَاءِ، فَقَالَتِ الْآلِهَةُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"يَكُونُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَاعَةً فِيهَا شِدَّةٌ تُنْصَبُ لَهُمُ الْآلِهَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَتَقُولُ الْآلِهَةُ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نَسْمَعُ وَلَا نُبْصِرُ وَلَا نَعْقِلُ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تعْبُدُونَنَا فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ لَإِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُدُ فَتَقُولُ لَهُمُ الْآلِهَةُ: {فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} "
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ الْحَشْرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمَوْتَ.