وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: الْجَزَاءُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ: وَخَبَرُهُ بِمِثْلِهَا. قَالَ: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: جَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا، وَزِيدَتِ الْبَاءُ كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِ: بِحَسْبِكَ قَوْلَ السُّوءِ. وَقَدْ أُنْكِرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي «حَسْبِ» زَائِدَةً، لِأَنَّ التَّأْوِيلَ: إِنْ قُلْتَ السُّوءَ فَهُوَ حَسْبُكَ، فَلَمَّا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْجَزَاءِ أُدْخِلَتْ فِي حَسْبِ بِحَسْبِكَ أَنْ تَقُومَ إِنْ قُمْتَ فَهُوَ حَسْبُكَ، فَإِنْ مَدَحَ مَا بَعْدَ حَسْبِ أُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِيمَا بَعْدَهَا كَقَوْلِكَ: حَسْبُكَ بِزَيْدٍ، وَلَا يَجُوزُ: بِحَسْبِكَ زَيْدٌ، لِأَنَّ زَيْدًا الْمَمْدُوحُ، فَلَيْسَ بِتَأْوِيلِ جَزَاءٍ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارٍ بِمَعْنَى: فَلَهُمْ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} فَوَصَفَ مَا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ عَمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ، فَأَشْبَهَ بِالْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: وَلِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ. وَإِذَا وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَتِ الْبَاءُ لِلْجَزَاءِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَأَنَّمَا أُلْبِسَتْ وُجُوهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ، وَهِيَ جَمْعُ قِطْعَةٍ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: ظُلْمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ""
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قِطَعًا} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: {قِطَعًا} بِفَتْحِ الطَّاءِ عَلَى مَعْنَى جَمْعِ قِطْعَةٍ، وَعَلَى مَعْنَى أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وَجْهُ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ قِطْعَةً مِنْ سَوَّادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَمَعَ ذَلِكَ فَقِيلَ: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهَهُمْ قِطَعًا مِنْ سَوَّادٍ، إِذْ جَمَعَ «الْوَجْهَ» .