وحين أمر الحق سبحانه موسى بإلقاء العصا ، رآها موسى عليه السلام حيّةً تسعى: {قَالَ أَلْقِهَا يا موسى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى} [طه: 19 - 20]
فعندما رأى موسى عصاه ، قد تحوَّلتْ إلى حية تسعى على الأرض ، فرَّ هارباً خائفاً ، ولكن الله أراد أن يثبّت قلبه ويؤمنه إعداداً له للموقف الذي سيقفه فيما بعد أمام سحرة فرعون فقال له رب العزة: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى} [طه: 21]
إذن: فلم يكن هناك سحر في عيني موسى ، ولكن كان هناك تغيُّر فعليّ في حقيقة العصا . فلما خاف طمأنه الحق سبحانه وأمره بأن يلتقط العصا ؛ لأنها ستعود - بإذن الله - إلى سيرتها الأولى . والدليل على ان التغير قد حدث في حقيقة العصا ، أن السحرة الذين جمعهم فرعون من كل مكان ، ووقفوا في منافسة مع سيدنا موسى ، وقالوا له: {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى} [طه: 65]
وقبل موسى عليه السلام التحدي ، وتجد القرآن يصور المسألة فيقول:
{قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى} [طه: 66]
وقوله: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} يعني: أن الحبال والعصى لم تتغير حقيقتها ولم تسعَ . وما إن رمى موسى عصاه حتى تحولت إلى حية فعْليّة تلقف ما صنعوا ، وهذا ما جعل السحرة يسجدون ويعلنون الإيمان ؛ لأنهم رأوا حقيقة واضحة ، وهي أن العصا قد تحولت بالفعل إلى حية .
إذن: فالساحر يرى الشيء على حقيقته ، والمسحور هو الذي تتغير رؤيته إلى الشيء ، فيُخيَّل إليه أنه شيء آخر ؛ ولذلك لم يقل أحد: إن موسى تعلّم السحر ، وإن من علّمه غلبهم ، لا ، بل عرفوا أنها مسألة أكبر من طاقة البشر ؛ لأن حقيقة العصا نفسها قد تغيرت ، فقالوا: {آمَنَّا بِرَبِّ هارون وموسى} [طه: 70]
ولم يقولوا: آمنا بموسى .