وكذلك خديجة بنت خويلد حينما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتيني كذا وأخاف أن يكون كذا ، فبينت له أن المقدمات التي في حياته لا توحي بأن الله يخذله ويفضحه ويسلط عليه الجن:"إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكَلَّ وتنصف المظلوم ، ولن يخزيك الله أبداً"وبذلك كانت السيدة خديجة أول فقيه مستنبط في الإسلام .
وقوله سبحانه: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} يعني: التعجب من أن يصدر منهم العجب ، والقرآن يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ وما دام يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ فمن المنطقي ألا يكونوا قد تعجبوا ؛ لأنك حين تتعجب من شيء فإما أن تتعجب منه ؛ لأنه بلغ من الحسن مبلغاً فوق مستوى ما تعرف من البشر ، مثلما ترى صنعة جميلة وتقول: ما أحسن هذه الصنعة ، ونتساءل: ما الذي جعل هذه الصنعة جميلة إلى هذا الحد غير المتصور؟
وأنت تقول ذلك ؛ لأن الصنعة قد بلغت من الجمال مبلغاص لا تصدق به أن أحداً من الموجودين في إمكانه أن يصنعها .
والمثال على ذلك: نجد من يقول: ما أحسن السماء ؛ وهو يتعجب من الشيء الذي يفوق تصوره . وقد يتعجب من شيء قبيح ، ما كان يجب أن يرد على الخاطر ، ولذلك يقول القرآن: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ...} [البقرة: 28]
أي: قولوا لنا: كيف قبلتم لأنفسكم الكفر؟
لأن الكفر مسألة عجيبة تتنافى مع الفطرة .
وهنا يقول الحق: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ...} [يونس: 2]
وهنا نتساءل: كيف تتعجبون وقد جئناكم برسول من أنفسكم ، {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]
أليس هذا هو المطلوب في الرائد ، فكيف تعجبون؟ .
إن عجبكم يدل على أن بصيرتكم غير قادرة على الحكم على الأشياء ، وما كان يصح أن يُستقبل الرسول بالعجب ، ونحن نتعجب من عجبكم هذا .
وحين تتعجب من العجب ؛ فأنت تبطل التعجب .