إن الذي وعدنا بهذه الجنات هو الحق سبحانه وتعالى . وهو قادر على أن ينفذ ما وعدنا به ، من جنات فيها من الكماليات والرفاهية مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وجعل هذه الجنات واسعة شاسعة ، فيها زروع وأزهار وأشكال ؛ تسرُّ العين بجمالها ، وتمتع اللمس بنعومتها ؛ وتملأ الأنوف برائحتها الزكية . ومن ميزات جمالها أن الأنهار تجري من خلالها ، ولكنها لا تجري من فوقها بل تجري من تحتها ، ومنابعها من مكان آخر ، أو تحتها ، ومنابعها ذاتية ، أي ينبع من نفس المكان . وكأن كل نهر ينبع من تحت جنة خاصة به . وإذا أردت أن تعرف جمال هذه الأنهار ؛ فهو جمال قد صنعه الحق سبحانه وتعالى .
وإذا كنا في حياتنا نرى أن لكل نهر شاطئين ، فإن أنهار الجنة تجري من غير شواطئ ؛ وإنما يمسكها الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض ، ثم تجد الأنهار قد تشترك في المجرى ؛ نهر اللبن ، ونهر العسل ، ونهر الماء ، ونهر الخمر ، وكلها تجري في مجرى واحد ولكنها لا تختلط ببعضها البعض ، فكل منها منفصل ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو الصانع وتبارك من صنع .
ويعطينا سبحانه وتعالى بعد كل ذلك ، ميزة الخلود في هذه الجنات فيقول: {خَالِدِينَ فِيهَا} ونحن نعلم أن المتعة في الدنيا قد توجد للإنسان ، ولكنها لا توجد خالدة أبداً ؛ فقد تزول عنك النعمة وتذهب المتعة ؛ كأن تصاب بكارثة مالية مثلاً أو تخسر خسارة كبيرة في تجارتك أو غير ذلك ، وقد تزول أنت عن النعمة بالموت .
ولكنك في جنات الآخرة تستمتع بقدر ما فيها من كمال وجمال ، ويزيدك الله فيها بأن يعطيك الخلود ، فلا تفارق النعمة ولا تفارقك ؛ لأنه ليس هناك أغيار ، وليس هناك موت .