وَمِمَّا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، انْتِزَاعُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ اللَّهِ:"اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} وَذَلِكَ فِي صِفَةِ مَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ ذِكْرَهُ وَوَصَفَهُ بِالْفَقْرِ، فَقَالَ {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} "
وَقَوْلُهُ: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} وَهُمُ السُّعَاةُ فِي قَبْضِهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَوَضْعِهَا فِي مُسْتَحِقِّيهَا يُعْطُونَ ذَلِكَ بِالسَّعَايَةِ، أَغْنِيَاءَ كَانُوا أَوْ فُقَرَاءَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَدْرِ مَا يُعْطَى الْعَامِلُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعْطَى مِنْهُ الثُّمُنَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُعْطَى عَلَى قَدْرِ عُمَالَتِهِ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «يَكُونُ لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا إِنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ. وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا أُولَئِكَ يُعْطُونَ الْعَامِلَ الثُّمُنَ، إِنَّمَا يَفْرِضُونَ لَهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ»
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُعْطَى الْعَامِلُ عَلَيْهَا عَلَى قَدْرِ عُمَالَتِهِ أَجْرَ مِثْلِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَقْسِمْ صَدَقَةَ الْأَمْوَالِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ، وَإِنَّمَا عَرَّفَ خَلْقَهُ أَنَّ الصَّدَقَاتِ لَنْ تُجَاوِزَ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ إِلَى غَيْرِهِمْ.
وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ بِمَا سَنُوَضِّحُ بَعْدُ وَبِمَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ مِنْهَا حَقًّا، فَإِنَّمَا يُعْطَى عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْمُعْطِي فِيهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَيْهَا إِنَّمَا يُعْطَى عَلَى عَمَلِهِ لَا عَلَى الْحَاجَةِ الَّتِي تَزُولُ بِالْعَطِيَّةِ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عُوَضٌ مِنْ سَعْيِهِ وَعَمَلِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ قَدْرٌ يَسْتَحِقُّهُ عِوَضًا مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي لَا يَزُولُ بِالْعَطِيَّةِ وَإِنَّمَا يَزُولُ بِالْعَزْلِ.