قالوا: إن فلاناً يظهر الذل والمسكنة، وقالوا: إنه مسكين عاجز، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى، وعلى هذا فقد يصفون الرجل الغني بكونه مسكيناً، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك المعارضة، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعاً عن التواضع والمسكنة، فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع، والأول ينافي حصول المال، والثاني لا ينافي حصوله.
الوجه العاشر: قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ في الزكاة:"خذها من أغنيائهم، وردها على فقرائهم"ولو كانت الحاجة في المساكين أشد، لوجب أن يقول: وردها على مساكينهم، لأن ذكر الأهم أولى، فهذه الوجوه التي ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، واحتج القائلون بأن المسكين أسوأ حالاً من الفقير بوجوه: الأول: احتجوا بقوله تعالى:
{أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] وصف المسكين بكونه ذا متربة، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة، وأيضاً أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له، ولا فاقة أعظم من الحاجة إلى إزالة الجوع.
الثاني: احتجوا بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته .. وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ
سماه فقيراً وله حلوبة.
الثالث: قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس.
الرابع: نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو بن العلاء أنهما قالا: الفقير الذي له ما يأكل.
والمسكين الذي لا شيء له، وقال يونس: الفقير قد يكون له بعض ما يكفيه والمسكين هو الذي لا شيء له، وقلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين.