والمؤمن يفرح حين ينتقل من الدنيا الفانية إلى الحياة الخالدة الباقية ، ومن النعمة إلى المنعم ، ومن الحياة بالأسباب إلى الحياة مع المسبِّب ، فنحن في الدنيا لا بد أن نأخذ بالأسباب إلى الحياة مع المسبِّب ، فنحن في الدنيا لابد أن نأخذ بالأسباب لنصنع ما نريد ، والمثال: أنك إنْ أردت أن تأكل فلا بد من أن تطهو الطعام أو أن يُعدّه لك غيرك ، وإنْ أردتَ أن تلبس فلا بد لك ممن يصنع لك القماش ويحيك الثوب . ووراء كل نتيجة توجد سلسلة طويلة من الأسباب . فهناك الذي يزرع ، والذي يحصد ، والذي ينقل إلى المطحن أو إلى المصنع ، والذي يطحن الدقيق أو ينسج القماش ، أما في الآخرة فلا توجد أسباب ، بل بمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك ، أليست هذه حياةَ نعيمٍ؟
إذن: فالذي تنفرج أساريره ساعة الموت هو المؤمن ، والذي ينقبض وجهه ويتشنج عندما يأتيه مَلَكُ الموت هو الكافر والعاصي ؛ لأنه سينتقل من نعيم حتى ولو كان نسبيا إلى عذاب رهيب .
وقد قيل للإمام علي رضي الله عنه: يا إمام ، أريد أن أعرف نفسي أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ فقال الإمام عليّ: الله أرحم من أن يجعل جواب هذا السؤال عندي وجعل السؤال عندك أنت ، إن كنت تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يأخذ منك أكثر مما تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يعطيك هدية تكون من أهل الآخرة .
أي: إذا دخل عليك إنسان يطلب صدقة أو مالاً فاستقبلته بترحاب وتحية وتعطيه وأنت مسرور تكون من أهل الآخرة ؛ لأنك تعرف أنه أخذ منك في الفانية ما يحمله لك أجراً في الآخرة التي تعمل من أجلها ، ولذلك تحبه . أما إن كنت تحب من جاء يعطيك هدية أكثر ممن جاء يسألك تكون من أهل الدنيا ؛ لأنه معطي الهدية يزيدك في دنياك . وما دُمْتَ تفرح بذلك أكثر من فرحك بالذي يزيد آخرتك فأنت من أهل الدنيا .